المجلس رماهم بدائه وانسل!
* لا أدري من أين أتى الفريق كباشي الناطق باسم المجلس العسكري بهذه اللغة الزئبقية المراوغة.. فعهدنا بالعسكريين الذين نسميهم (الجياشة)- نسبة للجيش- هي أنهم (ناس دغري وكلمتم واحدة قاطعة وواضحة)، لا يعرفون (لولوة الملكية) ولا يقبلونها على حد وصفهم للمدنيين أو من هم خارج الخدمة العسكرية.
* استوقفتني إفادات للفريق كباشي أدلى بها خلال (محاضرة له) أمام قيادات عسكرية عاملة بمنطقة أم درمان العسكرية..استوقفتني لأنها بدت أشبه بما يسميه العسكريون (التنوير) الذي يسبق عادة الانقلابات، أو أي تحركات عسكرية كبيرة حتى في ميادين الحروب.. ولفتني بشكل خاص توجيه الخطاب، وهو خطاب سياسي خالص، إلى ضباط وضباط صف في حضور قادتهم المباشرين.. خطاب يمكن تصنيفه (تعبوياً) بامتياز في لغة التوجيه المعنوي، ربما لتهيئة أذهان ونفوس سامعيه لفعل قادم لم يفصح عنه، وإن لم يعوزه التلميح الذى يكاد يلامس سقف التصريح.. كما سنرى.
* الفريق كباشي، الذي حل مكان الفريق عمر زين العابدين في رئاسة اللجنة السياسية بالمجلس بعد (إقالة أو استقالة) الأخير، ضمن ثلاثة جنرالات مدموغين بالولاء السياسي للنظام السابق، ذكر في تلك المحاضرة - التنويرية : (أن المفاوضات مع قوى الحرية والتغيير تسير بوتيرة ضعيفة.. والاستمرار بهذه الطريقة قد يفضي للكثير من الخيارات التي ستُراعى فيها مصلحة المواطن السوداني وأمن البلاد) .. هذا هو ما أدلى به الفريق أول شمس الدين.. الفريق الشاب الذي برز على سطح الأحداث منذ إطاحة المخلوع في الأسبوع الثاني من أبريل، برز كناطق باسم المجلس العسكري، فصيح العبارة مرتب الذهن قوي الحضور.. لكن من يقرأ نص تلك الإفادة أعلاه - الموضوعة بين قوسين - والتي نقلتها جميع صحف الخرطوم صباح أمس الإثنين، يرى غياب الفصاحة والإبانة التي عهدناها في الرجل كما سبقت الإشارة، وتم استبدالها بعبارات زلقة ومتواربة ومتوارية في ذاتها.. يمكن فهمها بأكثر من طريقة أو تفسيرها على أكثر من وجه، إذا ما تعرض صاحبها لتحقيق رسمي أو محاسبة جدية..بالرغم من أنها تخدم الغرض الأساسي الذي سعى له سعادة الفريق كباشي ومجلسه.. وهو إلقاء اللوم في كل ما جرى من تأخير في إنجاز مهام المرحلة الانتقالية على عاتق قوى الحرية والتغيير، لأن المفاوضات معها تسير بوتيرة ضعيفة، دون أن يحدد مسؤولية هذا الضعف بشكل مباشر لأحد طرفي التفاوض، مكتفياً بالإيحاء والتلميح.
* لكن أخطر ما في مثل هذا التنوير هو تهيئة أذهان المستمعين المباشرين من العسكريين، ومن ثم جمهور الرأي العام بأن هناك (خيارات أخرى)، غير الخيار المطروح، ومسارات بديلة غير المسار الذي اختطته وأنتجته الثورة، توافقاً مع نهجها وشعاراتها الأساسية المتمثلة في السلمية ومدنية الحكم الانتقالي المفضي للتحول الديمقراطي كامل الدسم..و ذلك من خلال عبارات غامضة تجعل السامع في حيرة من أمره.. فبعد الحديث عن (ضعف و تيرة التفاوض) وتحميل قوى الحرية والتغيير مسؤولية ذلك الضعف بطريقة ملتوية .. يقفز الكباشي إلى ما ينتويه المجلس من الذهاب إلى تلك (الخيارات) التي لا تزال تعتمل في نفسه أو نفوس مستشاريه غير المعلنين أو المعلومين، و أكتفى بالقول أنها (خيارات كثيرة) وضع عليها (الماركة المسجلة) الضرورية بأنه (سيراعى من خلالها مصلحة المواطن وأمن البلد).
* كل ما تقدم وما نشهده من تحركات ومناورات يوحي بأن الجلس العسكري يقودنا نحو مسارات ومنزلقات خطرة.. وقد هيأ له سلوك قوى الحرية والتغيير- و ما أكثر المآخذ عليه - أن يتجه إلى حيث يشاء، وأن يبحث عن بدائل داخلية وخارجية تجنبه الاستحقاقات الفعلية والجدية للثورة .. هيأت له قوى الثورة أن يرميها بدائه وينسل وبراءة الأطفال في عينيه!