ماذا يجري في المحروسة؟

٭ لا بد أن كل الناس والسودانيين خاصة، قد تابعوا ويتابعون بقلق الأحداث والتطورات السياسية، التي تشهدها مصر (المحروسة) هذه الأيام.. أما إذا سألنا لماذا هذا (التخصيص) للسودانيين دون سواهم من الناس في المحيطين العربي والأفريقي.. فبالاجابة على السؤال نكون قد قطعنا أكثر من نصف الطريق نحو الغرض من هذه (الإضاءة) في هذا اللحظة التاريخية الدقيقة في البلدين.. اللذين شاءت الجغرافيا وشاء- بالتالي- التاريخ القديم والحديث.. أن يشكلا لهما مصيراً ومستقبلاً مشتركاً، طوعاً أو كرها لا فرق.. فهما غير الجيرة العادية التي يمكن أن تكون بين أي بلدين.. هما يتشاركان (النيل) مصدر الحياة والحضارة( المصرية- النوبية) المشتركة.. بغلبة متحركة و(متبادلة) عبر الحقب و الأزمان.. نوبية (كوشية) جنوبية أحياناً ومصرية (فرعونية) في أحيان أخرى.. لتتشكل بالتالي روافد الثقافة وأنماط العيش وسبل كسبه المشتركة.. ولتمتد في قرون الغزو والانكسار الحديثة نسبياً (التركية والأوربية) من شمال الوادي إلى جنوبه لتوحد القطرين أو تفصلهما.. حسبما يقتضي حال الغزاة أو تمليه مصالحهم الاستراتيجية.
٭ و هكذا، فإن أي حديث عن أن ما يجري في مصر لا يهمنا أو لا يعنينا- هنا في السودان - هو محض جهالة وغباء يجلب الكوارث.. تماماً كمن يدلق ماءً ساخناً على قدميه، معتقداً أنه لن يؤذيه لأنه يبعد بضع أقدام عن رأسه وعينيه، ليصرخ بعد قليل من الألم، خلافاً لتوقعاته وسوء تقديراته.
٭ ومع ذلك كله.. مما هو معلوم ومحفوظ بالضرورة.. فإن إملاءات اللحظة الراهنة - المفصلية و الفارقة - تظل أشد إلحاحاً واستدعاءً للنظر البصير فيما ينتظر البلدان من مآلات، في حالة أن شهد أي منهما تطورات أو تقلبات غير منظورة وغير مرغوبة لانتقال سلمي وسلس باتجاه النظام الديمقراطي ودولة القانون والحرية والتنمية والعدالة الاجتماعية.. فالسودان أنجز ثورة سلمية (كاملة الدسم) انتصرت على أعتى وأسوأ نظام استبدادي ( عسكري - إخواني) دمر البلاد وأذل العباد، كما لم يفعل أي نظام قبله في تاريخ الوطن..
٭ هي ثورة لا زالت تتحسس طريقها لتأسيس دولة (الحرية والسلام والعدالة).. طريق طويل وشاق تعتوره المطبات والألغام التي خلفها وزرعها النظام المخلوع - عمداً - لتعويق كل من يعقبه على سدة الحكم عن بلوغ أهداف التغيير و الإصلاح المنشود.. فالوضع الانتقالي هنا لا يزال يتشكل، وهو في غاية الهشاشة والسيولة، من أي وجه أخذته.. ولا يحتمل هزة كبرى تحدث في عمقه وامتداده الاستراتيجي المهم .. مصر المحروسة.
٭ لكن ما هو أهم وأخطر من ذلك.. إن الحراك الذي بدأت تشهده مصر أخيراً.. إثر الدعوة التي أطلقها الفنان ومقاول الإنشاءات (محمد علي) من خارج البلاد.. قد وجد هوى و(وقع في جرح) للإخوان والجمعات الإسلاموية والدول الراعية لأنشطتهم.. بحيث صوبوا كل رماحهم وسيوفهم من أجل الثأر من نظام الحكم المصري الذي أفرزته ثورة (٣٠ يونيو) الشعبية وانحياز الجيش بقيادة السيسي لها.. حتى أطاحت بالنظام الإخواني الذي كان يجري التأسيس له خارج حكم القانون عبر (مرسوم نوفمبر 2012 الدستوري) الشهير الذي أصدره رئيسهم السابق المرحوم محمد مرسي .. والذي يحصن قراراته وشخصه من أي ملاحقة قانونية أو دستورية.. ليخلق منه فرعوناً جديداً.
٭ مشكلة (نظام 30 يونيو) بقيادة الرئيس السيسي أنه انغمس في تأسيس الدولة المصرية (الحديثة).. عبر إصلاحات اقتصادية بنيوية مكلفة، لم تأخذ في الحسبان عاملين جوهريين لقيام (دولة مدنية ديمقراطية) معاصرة وعادلة.. هما تنمية الحياة الحزبية وتكريس الديمقراطية وحقوق الإنسان.. ثم التصدي (للفقر) الذي يضرب حياة المصريين، وكان سبباً في الإطاحة بنظام مبارك.. الأمر الذي جعل انفجار الاحتجاجات ينتظر أي إشارة عابرة كتلك التي أطلقها المقاول محمد على من إسبانيا.
٭ و مهما يكن من أمر.. فإن أي اهتزاز كبير أو تغيير يقع في النظام المصري - برغم ما أبدينا أعلاه من ملاحظات، نضيف إليها أيضاً خطأ (التعديلات الدستورية) الأخيرة من أجل التمديد للرئيس بحجة إكمال إنجازاته الاقتصادية - سيصب حتماً في مصلحة (الإخوان) والدول الداعمة لمشروعهم.. وسيكون السودان وثورته التي أطاحت بهم - بالضرورة - أكبر الخاسرين.. لا قدر الله.