الأحزاب.. ومستقبل التحول الديمقراطي

٭ تقرير مهم، موضوعي ومخدوم، نشرته صحيفة (إندبندنت) البريطانية المرموقة.. لفتني واستوقفني.. ورأيت أن أضيء عليه لخطر المسألة التي يتناولها.. على مجمل التحول والتغيير الذي يشهده السودان أو ينتظره مع خواتيم المرحلة الانتقالية.. ألا وهي (البنية التحتية السياسية) الحزبية، وما تعانيه من فراغات وتصدعات واهتزازات.. جراء ثلاثين عاماَ من النخر والتجريف الممنهج من قبل النظام الإنقلابي (العسكري- الإخواني) من جهة.. و لأن الأحزاب في ذاتها لم تكن حتى قبل ذلك الانقلاب، في تمام عافيتها السياسية والتنظيمية من جهة أخرى.. مما هيأ البيئة لـ(الجماعة) لتوجيه الضربة القاضية للديمقراطية (الثالثة) التي انتظرها شعبنا ستة عشر عاماً حسوماً.
٭ ويذهب التقرير إلى أن قراءة المصائر الحزبية في خريطة المستقبل السياسي للسودان على ضوء الحاضر، لا تعكس (هوية واضحة) لذلك المستقبل، بخاصة حيال الأحزاب التقليدية من ناحية، كحزبي الأمة والاتحادي، والأحزاب الآيديولوجية كالحركة الإسلامية والشيوعي من ناحية ثانية.
٭ ثم انتقل للحديث عن الشباب الذى فجر الحراك الشعبي والعزوف الملحوظ في أوساطه تجاه (التحزب) بالنظر للإحباطات التي رافقت أداء الأحزاب عبر السنين.. ما يستدعي جهوداً استثنائية لجلب أؤلئك الشباب و اقناعهم بأنه (لا ديمقراطية بلا أحزاب).. لأن الأحزاب ببساطة هي رافعة التداول السلمي والشرعي للسلطة، والرقابة على الحكم وأدائه.. وفي هذا الصدد نوه كاتب التقرير إلى حزبين حديثين نسبياً يمكن أن يلعبا دوراً مهماً في جذب الشباب هما: (حزب المؤتمر السوداني وتجمع الاتحاديين) اللذان لعبا دوراً مقدراً خلال الثورة وما أعقبها من تفاوض مع العسكر.
٭ وأوضح التقرير أن المرحلة الانتقالية ستكون اختباراً حقيقياً وكاشفاً أيضا للأحزاب المناطقية والحركات المسلحة، أما لجهة عجزها عن التحول إلى أحزاب حقيقية تمارس السياسة بأدواتها المعروفة، أو لجهة تحولها إلى جماعات صغيرة تمارس السياسة عبر التحالف مع هذا الحزب الكبير أو ذاك.
٭ وختاماً: رأى كاتب التقرير أن الإسلاميين سيلجأون- بعد سقوطهم المدوي- إلى (الحجة الخلابة) القديمة القائلة بأن (فشل التجربة.. لا يعني فشل النموذج الإسلامي).. وفي هذا لابد من وعي ( نقدي-فقهي) يبين للناس أن منظور (الإسلام السياسي) الذي ابتدعه حسن البنا هو نموذج مأزوم ومشوش- للإسلام ذاته- في أصله قبل أن يكون مأزوماً عملياً.