ورحل الغالي

في هذه الحالة ساطلق العنان للدموع لتجري كيفما شاءت بعد أن أبت الحروف والكلمات أن تطاوعني في رثاء صديقي أستاذي الإنسان مؤمن الغالي الذي رحل عن دنيانا الفانية أمس دون أن يلوِّح بإشارات الوداع ، وحق للكلمة التي ملك ناصيتها أن لا تنصاع لترثي قلماً من أميز أقلام الصحافة خلال الثلاثة عقود الماضية، قلماً لا يعرف الانكسار عندما يشتد النزال، يصدح بالحق ولايخشي في ذلك لومة لائم، يؤمن بفكرته ويدافع عنها بقناعة تامة، ولايعرف طريقاً لصحافة الخنوع والابتذال ولايتطفل على موائد المسؤولين ولايطرق أبوابهم في سبيل تحقيق مصلحة ذاتية .
نعم تتقاصر الكلمات وتتنافر الحروف عندما يكون الحديث عن إنسان بقامة وفخامة (مؤمن) الخليل الوفي الرجل العصامي، توطدت علاقتي به وعرفته عن قرب بعد أن جمعتنا ظروف العمل بهذه الصحيفة منذ تأسيسها وحتى لحظة رحليه المر، لايكاد يمر علينا يوم إلا ونجلس بالساعات الطوال نتجاذب أطراف الحديث في الشأن العام والخاص، يحدثني دون ملل عن الشاعر الراحل المقيم محجوب شريف، مستعرضاً مواقفه الانسانية التي كان شاهداً عليها، فكم كان مفتوناً بهذا الإنسان الجميل لا يكل ولا يمل من التعرض لسيرته، وما أن يفرغ من الحديث عن المحجوب يبدأ في اجترار ذكريات ومواقف شاعر العامية (حميد) التي لاتقل انسانية عن مواقف محجوب شريف، لم يكن (حميد وشريف) مجرد شاعرين فحسب بالنسبة للأستاذ مؤمن الذي لايقل إنسانية عنهما، فكانا يشكلان له ملاذاً آمناً، ونبراساً يضيء له الطريق، ومعولاً لهدم معابد الطواغيت وزوال الظلام وإنجلاء العتمة، فتجد سيرتهما تجري على لسانه مجرى الدم في العروق، ومن الصدف أن مومن كتب مقالاً عن شاعر العامية تحت عنوان (سلمت ياحميد) تزامن نشره في نفس اليوم الذي رحل فيه حميد رحمهم الله جميعاً.
صديقي مؤمن لقد جاء يوم شكرك فكم تمنيت أن لا أكون شهوداً عليه، أرقد بسلام، تتبعك دعوات الملايين من حزب (الحرافيش) والجالسين على الرصيف من العطالى والثكالى، والمحرومين، والمعدمين، والنساء، فقد كنت لهم خير نصير، تزود عن حياضهم، وتنافح وتكافح من أجل استرداد حقوقهم المهضومة عبر زاويتكم المقروءة (شمس المشارق) ، فكانت حقاً اسماً على مسمى تبعث الأمل مع شروق شمس كل يوم جديد في نفوس القراء بأن بوادر الفجر قد لاحت والقادم أحلى، حتى تحققت الأحلام وهبت رياح التغيير .
عذراً صديقي الغالي، فلا أستطع أن أوفيك قدرك من خلال هذه الكلمات، فأنت رجل مشبع بالثقافة، أديب تذوب بين أنامله الحروف، متفقه في الدين لدرجة تجعلك تناطح العلماء الأجلاء، وطني غيور من أخمص قدميك وحتى آخر سبيبة في رأسك، ومع ذلك إنسان بسيط لدرجة التواضع .
طبت عزيري مؤمن، وعزاؤنا يمتد إلى أسرتكم الكبيرة والصغيرة وإلى زوجتكم المكلومة (سامية) وإلى الأبناء م. (محمد ) وم. (أيمن ) والدكتورة (هند) ، سائلين الله أن يصبرنا وإياهم على هذا المصاب الجلل، وأن يجعلك في عليين مع الشهداء والصالحين.
إنا لله وإنا إليه راجعون