(الدستورية) عُدٍّلت.. بانتظار الإرادة السياسية (2-2)

٭ انتهينا أمس، في الحلقة الأولى من هذه الإضاءة إلى التساؤل عن أهمية التعديل القانوني الذي أدخل على الوثيقة الدستورية وما يترتب عليه و أوردنا نصه.. كما أوردنا نص (المادة الثانية) التي تسبق التعديل مباشرة، وتشير إلى سريان المراسيم الصادرة (من المجلس العسكرى منذ (١١ أبريل) - يوم الإطاحة بالبشير- و حتى تاريخ توقيع الوثيقة (ما لم تلغ أوتعدل من قبل المجلس التشريعى).. لكن ما استوقفني في جزء من هذه المادة هو تلك الجملة الاضافية التي تنص على الآتي: (و في حالة تعارض أي منها مع أحكام هذه الوثيقة الدستورية تسود أحكام هذه الوثيقة).. مما يجعلنا نتساءل مرة أخرى هل كان هذا النص موجوداً بالوثيقة الأصلية أم تمت اضافته بعد التعديل الوارد في (المادة الثالثة)، التعديل الذي ينص على سياده الوثيقة وعلوها على غيرها من الأحكام والقوانين؟ .. واذا لم يكن موجودا فما المعنى من إضافته.. هل لإحكام (المادة ٢) التي أسندت تعديل أو إلغاء مراسيم المجلس العسكري إلى المجلس التشريعى (المؤجل) و بالتالى الاتساق مع التعديل المؤكد على سيادة الوثيقة؟
٭ هي تساؤلات لم أجد لها إجابة حاسمة ناجزة من بعض القانونيين الذين سألتهم.. لكنهم أشاروا إلى أن لدى بعضهم أكثر من (نظرية) في هذا الصدد حتى بالنسبة لفاعلية (التعديل) الذي جرى.. فأخذت الأمر على أنه من عادة مجتمع الحقوقيين أن يكون لديهم (شيء من حتى) في كل حجة أو نص، كحال صديقنا النحوي سيبويه مع ذلك الحرف البديع.
٭ أما عندما نقف في الوثيقة على أهم اختصاصات مجلس السيادة في ما يلي المنظومة العدلية والقوانين.. في (الفصل الرابع) منها.. نجد أن (اعتماد) تشكيل مجلس القضاء العالى و(اعتماد تعيين رئيس إلقضاء وقضاة المحكمة العليا ورئيس وأعضاء المحكمة، بعد ترشيحه من مجلس القضاء العالي.. ولحين تشكيل مجلس القضاء العالي يعين مجلس السيادة رئيس القضاء.. وكذلك الأمر بالنسبة للنائب العام ومجلسه.
٭ رأيت لفائدة القاريء أن أورد تلك النصوص القانونية -على عسرها و جفافها- بالنظر لأهميتها في الجدل الدائر حول (المسألة العدلية)، وحتى يكون على بينة من تفاصيل هذه التجاذب المتصل بمستقبل ثورته وبلد.. و في كل الأحوال إن ما تم من تعديلات يستحق الاحتفاء بالنظر لخطورة الخلاف حول الوثيقة الدستورية وغياب الاتفاق على تفسير موحد لها، وهو خلاف قد يتطور إلى صدام يؤذي مجمل توجهات الثورة ووحدة قواها.. ويغري أعداءها بالنيل منها حتى من هذا المدخل القانوني الذي يهمهم أكثر من غيره في الوقت الحاضر، كما سبقت الإشارة.
٭ أَما إذا انتقلنا لنقرأ في الوثيقة ذلك الباب المتعلق باختصاصات سلطات مجلس الوزراء فيجب أن نقف عند اثنين أو ثلاث مواد على الأكثر لتغنينا عن كل ما سواه على أهميته (كتفاصيل).. فالمادة الأولى من (الفصل الخامس) بالوثيقة تقرر لرئيس الوزرا ومجلسه ما نصه: تنفيذ مهام الفترة الانتقالية (وفق برنامج إعلان الحرية والتغيير) الوارد في هذه الوثيقة.. وهو نص جمع فأوعى- في نظري- لطبيعته الشمولية التي تأخذ قضايا الثورة و أهدافها (الحرية ، السلام والعدالة) كحزمة واحدة متكاملة لا يمكن أخذ (بعض كتابها) وهجر بعضه الآخر أو التنكر له.. فورود مثل هذا النص (الدستورى) يضع بين يدي الحكومة (قوة قانونية) يمكن أن تجهض بها أى محاولات التفاف على أهداف الثورة، مهما كان مصدرها.. هذا غير المواد الأخرى الواردة في ذات الباب، و التي تجعل من اخصاصها - حصراً- ابتدار مشروعات القوانين ووضع الخطط والبرامج والسياسات الخاصة بالخدمة المدنية والعامة، وتعيين وإعفاء قادتها، وتشكيل المفوضيات المستقلة التي تخدم خطط أهداف المرحلة.
٭ نختم بالقول إنه بهذه التعديلات المتوافق عليها، وبعد نشر الوثيقة وما طلعناه في طياتها من نصوص.. قد تبين الآن الخيط الأبيض من الأسود من الفجر.. ولم يعد هناك عذر لأى متقاعس عن إنجاز ما يليه من مسؤليات في أي مجال كان.. خصوصا مسؤولية تنظيف جهاز الدولة من بقايا النظام الساقط ، كما فعل رئيس الوزراء مع الجامعات أخيراً.. و ما ذلك إلا جزءٌ يسير من لوح الثلج الإنقاذي الغاطس.. بكلمة: الإرادة السياسية المستندة إلى مطالب الأمة والمصممة على تنفيذ حقوقها المشروعة والمؤطرة دستورياً هي مفتاح المستقبل.