(حرية التعري) في الشارع العام

٭ إحدى الصحف التي آليت على نفسى أن لا يرد اسمها ولا اسم مؤسسها على قلمي إطلاقا - تعففاً واستنكاراً - لدوره وجرمه التاريخي في تقسيم السودان.. ذلك الجرم الذي لم يستح من الاحتفاء به، بذبح ثور أبيض (كرامة) في الشارع العام.. تماماً كما فعلت صحيفته المباعة إلى أحد أعضاء فرقته المدعوة، زورا وتضليلاً:(منبر السلام العادل).. ذلك العضو الذى عمل تحت قيادته سنين عددا.. و أصبح فجأة من الوجهاء ذوي المال والقربى في نظام المخلوع.
٭ وعلى ذات النهج.. نهج الفجور والتسفل و قلة الحياء.. خرجت على الناس تلك الصحيفة.. في صفحتها السادسة الخميس الماضي (3 أكتوبر).. بمفاجأة صادمة بنتانتها..هي إعلان مدفوع - مضاعف الأجر حتماً- لشدة شذوذه ومخالفته للقوانين العامة ومواثيق الشرف الصحفي وتقاليد المهنة المرعية، في كل أنحاء الدنيا وعبر كل الأزمان.
٭ اعلان تحريري (روسته)- تضليلاً للقاريء- بعبارة (متابعات)، احتل الصفحة كاملة، واختارت له عنواناَ يقول: (سين) للغلال.. قصة نجاح أكبر صروح الإنتاج (الوطني) في السودان.. و دعمته بصور عديدة للشركة ومبانيها ومستودعاتها.. و إن غابت عنه صورة واحدة.. يقول منطق الأشياء وأساليب الإعلان المعهودة إنها يجب أن تتصدر قصة (النجاح الوطني) المزعومة تلك.. هي صورة رئيس مجلس إدارة الشركة أو مديرها العام (الهارب) من وجه العدالة، المدعو (طارق سر الختم).. وقصد من صمم الإعلان والصحيفة هنا مفهوم، برغم محاولة التذاكي.. وهو أن لا يساعد نشر (الصورة) و تعميمها في تسهيل التعرف على شخصه والقبض عليه كما جرى مع وإلى الخرطوم الأسبق (عبد الرحمن الخضر) عند معبر أرقين الحدودى وهو يحاول (كب الزوغة) بجرائمه عبر مصر، فأقتيد ملوماً محسوراً إلى سجون الخرطوم.
٭ أما من هو الهارب (طارق سر الختم) صاحب الصورة- المغيبة عمداً- عن الإعلان العجيب؟ .. فهو ذات (بطل اليورو والدولار) في محاكمة فساد البشير التى لازالت تجري وقائعها كل سبت في الخرطوم.. ذات المدينة التي تصدر فيها الصحيفة صاحبة إعلان قصة ( النجاح الوطني) الخرافية على يد (البطل الهارب).
٭ ولتذكير أو تنوير القراء الذين لم يتيسر لهم متابعة محاكمة المتهم (البشير) بدقة وتعريفه لطارق سر الختم.. بطل القصة البوليسية.. الذى كان يحضر له العملة السودانية ويعب و(يهبر) مما اختزنه الرئيس (المفترض) في مقره من (عملات صعبة) من دون حساب.. عملات قال إنها أهديت له من ولي العهد السعودي.. فقد أوضح
البشير نصاً، و هو يجيب سؤال القاضي عمن يكون طارق سر الختم وما هي علاقته به؟ أوضح بأن المذكور (متزوج من إحدى قريباته).. يعنى الحكاية (زيتهم في بيتهم).. و بالتالي لا داعي للسؤال - كما أكد - عن قيمة الدولار أو اليورو مقابل الجنيه.. فطارق، بحسب رواية البشير (التبريرية) ، يعمل في صناعة الدقيق ويوفره للمخابز لمواجهة الأزمة -.. الرواية التي جاء إعلان الصحيفة - أيضاً - ليعززها ويرفع، زوراً، من مصداقيتها ومن قدر (بطلها الهارب).. ما أنزهها وأشرفها من صحافة!!.
٭ ما فعلته تلك الصحيفة، يوم الخميس الماضي، ذكرني بصورتين
شبيهتين من صور الشذوذ والغرابة: الأولى- صورة (حقوقية)- لمهووس يقف عرياناً وسط الشارع.. خلع ملابسه (ملط) بدعوى أن (حريته) تتيح له أن يفعل، وليس لأحد أن يعترضه.. فهجم عليه الناس يقذفونه بالحجارة و يسرع بعضهم بأغطية يلقيها عليه لستر عورته.. رأفة بعيون مستخدمي الطريق.. ثم يقودونه من بعد، عنوة، إلى مخفر الشرطة ليواجه العقاب المستحق لجريمته واعتدائه على مشاعر الناس والنظام العام.. وهذا ما يوجب - قانوناً - على (هيئة الاتهام في قضية فساد البشير) أن تتصدى له.. باعتبار أن الإعلان يدخل في صميم الجرائم المتصلة (بالتأثير على سير العدالة) وفقاً لأهل القانون.. هذا غير استفزازه للرأي العام والشارع الثاثر على البشير وأزلامه.. و هذا بلاغ منشور لهيئة الاتهام المعنية.. أرجو أن تأخذ به دون إبطاء.
٭ أما الصورة الأخرى فهي (اجتماعية).. تتصل بالقيم والأخلاق.. فقد بدت تلك الصحيفة (غير المذكورة) يومها في صورة (الحكامة) أو النائحة المستأجرة المعتادة على ذرف الدمع مدراراً بلا غبينة.. تلطم و (تعدل) وتمتدح فقيداً لا تعرف من أفضاله شيئاً.. فكل ما يهمها هو مال أهله المدفوع لقاء (حفلة المناحة).. فيا لخسارة الصحافة.. و حقا (لم تسقط بالكامل بعد).