أزمة الوقود.. إهمال بلا حدود

٭ اضطررت يوم الثلاثاء الماضي أن أتوجه بالسيارة في رفقة بعض الأهل إلى بحر أبيض، لحضور مراسم العزاء في وفاة ابن خالي العزيز، الأستاذ علاء الدين عبد الله طه، الذي رحل عن دنيا الناس فجأة إثر ذبحة صدرية لم تمكنه حتى من بلوغ المستشفى، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته وجعل البركة في عياله زغب الحواصل، الذين هم جميعاً، يا للأسى والأسف، لا يزالون في حاجة للرعاية والعناية.. بعد أن فقدوا أباهم، معلم الأجيال (علاء) الذي بكته مدينة قلي وما حولها بدمع غزير ثخين.. وعلمنا أن مجتمع التعليم أساتذة وطلاباً كانوا في مقدمة موكب التشييع الكبير..تقديراً وعرفاناً لفضله.
٭ كان علينا أن نسلك الطريق المسمى (تيمناً و تمنياً) بالطريق (القومي) الممتد من الخرطوم إلى كوستي والأبيض، ثم ليتفرع ويتجه جنوباً إلى جبال النوبة وغرباً إلى دارفور.. نعم يسمى قومي، وربما قريباً قاري، من باب التمني والعشم.. لأن عرضه في أفضل التقديرات لا يتجاوز الثمانية أمتار مقسومة الي حارتين.. مليئتان بالحفر أو بالمطبات الناشئة، بردم الحفر وتغطيتها كيفما اتفق، فتكون النتيجة المنطقية التخلص من عائق الحفرة لتواجه عائق النتوء أوالمطب.. لتظل السيارة وركابها في (حالة رقص) قسرية جالبة للضيق والحزن.. (ليس كرقص البشير).. فهو كان يعبر في ذات الطريق جيئة وذهاباً لحضور مهرجانات وحشودات حزبه وجماعته المموسقة تلك.. فلم يفكر في إعادة تشييد الطريق الموروث منذ مطالع العهد المايوي، أو توسيعه برغم الثروة النفطية الهائلة جنوبه مباشرة .. فتحول الطريق .. بقدرة دولة قادرة وغير راغبة.. إلى مقصلة منصوبة عبر مئات الكيلومترات، مقصلة أدواتها الضيق والحفر والمطبات، والظلام الدامس ليلاً.. لتحصد أرواح المسافرين.
٭ تلك ملاحظة أولى في رحلة الأحزان هذه.. ملاحظة قديمة تتجدد في الخاطر كلما اتجهنا جنوباً .. لكن الجديد هذه المرة هو ذلك المتصل بأزمة الوقود التي اتخذناها عنواناً لهذه (الإضاءة).. وأزمة الوقود للمفارقة كانت بين الأزمات الثلاثة الحادة - الخبز، النقود، والوقود - التي فجرت ثورة ديسمبر المجيدة.
٭ كان علينا أن نتحرك باتجاه كوستي فور إبلاغنا بالخبر الحزين بما هو في جوف السيارة من وقود، على أمل أن نعثر على المزيد في الطريق.. مررنا بالفعل على عدد من الطلمبات في العاصمة، فإما وجدناها توزع الجازولين من دون بنزين، أو كانت مزدحمة حد الاختناق.. ولحسن الحظ وسلامة النية صادفنا محطة طرفية قبيل جبل أولياء تعمل، وليس بها أمامنا سوى أربع أو خمس عربات، فعبأنا التانك وانطلقنا.. لكن ظل أمر الوقود شاغلنا وهاجسنا، خصوصاً وأننا سنحتاجه بالحاح لرحلة العودة.
٭ كنت و أخي ورفيقي الممسك بعجلة القيادة الفاضل العباس نتابع أوضاع الشارع العام المسمى قومي.. فرصدنا فيما رصدنا أن (98٪) - على قول حسين خوجلي عن نسبة مؤيديهم - من مئات الطلمبات المنصوبة على الطريق متوقفة عن العمل برغم وجود بعض الناس أو عمال فيها أو حولها.. و الاثنين في المائة العاملة إما أنها توزع جازولين أو مخصصة لما يسمى (التصاديق) أو لجهات نظامية بعينها.. و إذا ما صادفت واحدة عاملة فمن شبه المستحيل- مع التكدس- أن تتمكن من أخذ حصتك المطلوبة.
٭ هذه هي صورة أزمة الوقود في المنافذ الشرعية والمرخصة رسمياً.. لكن إذا ما تلفت يمنة ويسرى وأنت على (الطريق القومي) فستلاحظ أنه أمام كل قرية أو فريق أو مقهى مروري هناك براميل وقود (جاز وبنزين) منصوبة وحولها شباب وصبية ينادون على الزبائن (المحتاجين الممحنين).. يفعلون ذلك دون خشية أو تردد ويبيعون بضاعتهم البترولية (بأربعة أضعاف) سعرها المقرر.. وبرغم انتشار مراكز التفتيش ونقاط المرور والعبور على طول الطريق.. ما بدا معه أن سوق البترول الأسود في عموم السودان يشبه سوق الدولار في السوق العربي.. هذا هو ميراث الإنقاذ.. فأين (هيبة الدولة) يا حكومتنا الانتقالية والناس لا يزالون يتضجرون من أزمة الوقود؟