النقابات.. يا حمدوك

٭ قرار مسجل عام النقابات الإخواني المستشار عوض جعفر (بحل نقابات) النظام الساقط .. مع تكليف قياداتها .. ذات قياداتها الإنقاذية.. بتسيير أعمالها لثلاثة شهور أخرى.. حتى منتصف شهر يناير من العام المقبل (2020).. يعني ببساطة لعب (ذوي اللحى) على كل الدقون.. يعني أن تروس الماكينة القديمة للدولة العميقة، التي انهار سقفها.. لا تزال تعمل بنشاط وهمة.. ولو من تحت ركام السقف المنهار.. لم يتسرب اليأس إلى نفوسهم برغم كل ما جرى وبرغم الفضائح المدوية التي أحاطت بقياداتهم العليا.. فالسودان - كما مصر وكل مكان من العالمين العربي والإسلامي - موبوء بهذا الداء العضال المسمى (الإخوان المسلمين)
٭ هو داء مخاتل قادر على الانتشار بسرعة ويسر إلى خلايا المجتمع وتدمير مناعته.. مستخدماً في ذلك حيلة خطيرة.. هي مخاطبة عواطف الناس وموروثاتهم الدينية .. وتصوير الواقع زوراً وبهتاناً بأن (الدين في خطر) وهناك من يعملون لإزالته ومحوه البتة من حياة الناس.. لذلك طوعوا النصوص الدينية ذات المعاني والمخاطبات العامة، بتفسيرها و قولبتها وفق هوى مشروعهم السلطوي وأطماعهم الدنيوية، التى تكشفت وتعرَّت عوراتها مع انتصار هذه الثورة المجيدة.. مستغلين في كل ذلك جهل العامة وبعض الطلاب وأنصاف المتعلمين بصحيح الدين وقيمه العليا.. و متجاهلين قول الحق في محكم التنزيل (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) “9 الحجر”.. يتجاهلون عمداً وقصداً حقيقة الدين المحفوظ بالقدرة الإلهية الغلابة، لينصبوا من أنفسهم حراساً له وللفضيلة.. حتى يخلو لهم الجو من كل رقيب أو حسيب، ومن ثم يدخلون مطمئنين إلى أوكارهم السرية لتدبير جرائمهم الشنيعة في حق الأوطان والمواطنين.
٭ وبما أن النقابات في المجتمعات الحديثة هي الوعاء الجامع لقوة العمل والإنتاج والحفيظة على حقوق العاملين.. فقد كان لهم فيها تدابير خاصة استلفوها - حتى لا نقول ابتدعوها - من النظم الديكتاتورية الشمولية .. تدابير تقوم على ما يسمى (نقابة المنشأة) بحيث تتكون النقابة أو الاتحاد من كل العاملين في المؤسسة المعنية.. لا فرق بين عامل أو موظف أو مهنس أو طبيب أو مدير.. بحيث تختلط الأوراق وتضيع الحقوق والواجبات والمطالب وسط كل هذا الخليط العجيب.. وكان رائدهم في هذا المخطط الجهنمي الدكتور (طبيب) إبراهيم غندور الذي يخرج للناس هذه الأيام - على فيديوهات التواصل الاجتماعي، بكل هدوئه وبروده المعهود وبجرأة مستفزة (لا يحسد) عليها.. يخرج (في ثياب الواعظينا) بعد أن كلفته الفلول برئاسة (الحزب الوطني) الساقط.. والذى تسنم من قبل فيه رئاسة (اتحاد العمال) ومن بعدها مساعداً للبشير ونائباً له في رئاسة الحزب ثم وزيراً للخارجية مكافأة له على الدور المحوري الخطير الذي لعبه في تدجين وتدمير الحركة النقابية السودانية، ذات التاريخ التليد والمجيد في حماية حقوق العاملين ومقارعة الاستعمار والنظم الاستبدادية.. وإن اشتكى الرجل علناً في آخر الأمر من شح مخصصات الخارجية وإفلاس السفارات، فأزيح جانباً إلى حين.. برغم (نوم) البشير شخصياً على ملايين اليورهات والدولارات ينفح بعضها للمقرببن من أمثال عبد الحي وطارق سر الختم.
٭ لا استبعد إطلاقا أن يكون مسجل النقابات المقال قد أقدم على فعلته هذه، بحل النقابات (شكلياً) و تكليف قادتها - تلاميذ غندور - بإدارتها لثلاثة شهور أخرى، قد تم بايعاز من (الكومندا المرجع) غندور.. فالشهور الثلاثة كانت كافية لتدبير جملة من المؤامرات.. من قبيل إخفاء الجرائم والتجاوزات وتوضيب الأوراق والتلاعب في السجلات.. وكل ما يمكن فعله لتعويق مسيرة التغيير والإصلاح.
٭ حسنا فعل حمدوك باقالة مسجل (خديعة الثلاثة أشهر ).. لكن الأمر عندي لم يكن يستحق كل هذا الانتظار.. فحل نقابات النظام الساقط كان يمكن أن يتم فور تولي الحكومة.. استنادا إلى (الوثيقة الدستورية) التي تنص صراحة على تفكيك بنية النظام الساقط ومؤسساته.. وحتماً كان من أهمها نقابات التمكين.