عرضة خارج الزفة

لم نتجن أو نظلم بعض أهل الفن عندما قلنا إنهم يعرضون خارج الزفة، وأن معظهم جاء للوسط الفني في غفلة من الزمن، وهم لا يجيدون غير فن الاستهبال، وهذا ما تؤكده الساحة الفنية الآن بعد تعشمنا في تغيير حقيقي يطالها، تغيير يعبر عن واقع الحال وما شهدته بلادنا من ثورة كانت ولا زالت تحتاج إلى الفنون كواحدة من أهم أسلحة التغيير.
حسنا أن نعيد ما سبق أن قلناه من قبل في ذات المساحة لنؤكد أن كثير من أهل الفن لا زالوا في ضلالهم القديم.
بطبيعة الحال وكما هو معروف فإن الفنون هي التي تحكي واقع الشعوب وتعبر عنهم، وتوثق لحياتهم بمختلف مجالاتها، وهي التي تقود عجلة التغيير في كل المجتمعات، لدرجة أن وصفها البعض بالقوة الناعمة، لكن من هذه المعطيات نجد أن الفن عندنا كان غائباً عن مسرح الثورة المجيدة، ولم يكن له أثر إلا من مشاركات قليلة لبعض الفنانين والفنانات، ولن نبالغ إن قلنا إن كثيراً من أهل الفن كان في حالة غيبوبة، والبعض الآخر كان يلهث وراء الحفلات، داخل وخارج البلاد وكأنه لا يعلم أن البلاد في حالة ثورة غير مسبوقة على مر التاريخ، ولم تعرف لها الشعوب من قبل مثيلاً.
المتابع الآن للحركة الفنية والثقافية، لا يجد كثير عناء في تأكيد ما نقوله، فيجد أن هناك كيانات ثقافية تتحدث عن مهرجانات، وفنانين لا يعرفون غير لغة (العداد)، وغير مواكبة لأحدث صيحات الموضة.
بالطبع لسنا معنيين بالمحاسبة أو جرد الحساب، ولكنا نشير إلى ضرورة ثورة تغيير فنية ثقافية تقتلع كل المفاهيم القديمة التي رسخها النظام البائد في الوسطين الثقافي والإعلامي، اللذين أصبحا سوقاً لأعداد لا تحصى من العطالة وفاقدي وفاقدات الموهبة، ثورة تلعب فيها الثقافة والإعلام دورهما المنوط بهما في تشكيل وجدان الشعب بأعمال إبداعية تعلي من قيم المحبة، وإشاعة ثقافة السلام، وتزكي من روح الوطنية، وتحث على العمل والإنتاج والبناء والتعمير لوطن يسع الجميع.
نحتاج حقيقة في الفترة القادمة لثقافة واعية بالمرحلة، وإعلام راشد يعيد ترتيب أوراقه وخارطته البرامجية، فاليوم لا يشبه البارحة، ولغة الخطابة ما عادت هي ذات اللغة التي خاطبونا بها طوال الثلاثين سنة الماضية، فاللغة الجديدة هي لغة المرحلة الثانية من الثورة ولغة الوطن التي يتحدثها الجميع.
لا نقول إن بعض أهل الفن والثقافة ضحكوا على عقولنا من خلال أعمال فنية فطيرة نسبوها زوراً وكذبا للثورة، من أجل تأكيد الحضور، لكن نقول إن معظم ما قدم لم يرق لمستوى ما حدث من تغيير، وما حدث من كرامات الشباب وتضحياتهم، والتي كانت تستحق الحكي وتستحق التوثيق للأجيال القادمة.