هضربة غندور (2-1) !

٭ زمان في ريف السودان ، عندما كنا أيفاعاً، يصاب كثير من الناس، في فصل الخريف بالحميات المتنوعة..التي يسمونها (الوردة)، بكسر الواو وتسكين الراء .. و ونظراً لعدم توفر الدواء الحديث القادر على خفض الحرارة بشكل سريع.. تتدهور حالة المريض (المورود) حتى يفقد الوعي ويبدأ بالهذيان، فيصدر عنه كلاماً مضطرباً يفتقر للمنطق والتماسك، بما في ذلك الحديث عن شخوص ماتوا، أو غادروا البلد منذ وقت طويل، أو عن أحداث وقعت في ماض غابر.. فيصف أهله حالته تلك بالهضربة.. و يقولون في أسى (فلان بقا يهضرب ساكت.. مسكين الوردة طلعت في راسو.. الله يستر عليه)
٭ تذكرت تلك الحكاوي الخريفية القديمة.. و أنا أطالع أنشطة الدكتور إبراهيم غندور، الذي أختير رئيسا مكلفاً لحزب (المؤتمر الوطني) الساقط، في أوج خريف الغضب السوداني الذي أطاح سلطة الحزب، وزلزل حاضنته الفكرية - السياسية الإخوانية، كما لم تزلزل من قبل.
* الذين اختاروا غندور لهذه المهمة العسيرة من قادة الحركة، لم يفعلوا ذلك من فراغ.. بل أقدموا على ذلك بتدبر وبعد أن (نثروا كنانتهم) و تخيروا منها ما أعتقدوا أنه الأشد مضاءً و الأنسب، لهذه المهمة في هذه اللحظة الفارقة في حياة (الجماعة).. الأنسب من حيث (الشكل) ومن حيث ( المضمون).
٭ فمن حيث الشكل امتاز غردون.. عفوا غندور.. بأنه رجل يشبه الناس العاديين المتمدينين، حليق الوجه لايشبه إخوانه الملتحين المعشوشبين المنفرين.. خفيض الصوت، لا يلجأ في أدائه المعتاد إلى التشنج و السب واللعن والكلام الجارح في مواجهة خصومه السياسيين.. فالرجل ناعم الملمس كالحية الرقطاء، التي تستبطن في حناياها السم الزعاف..المتمثل في (الدهاء الخبيث) الذي هو مضمونه.. وهذا ما يشهد عليه دوره التخريبي المدمر تجاه الحركة النقابية السودانية، ذات التاريخ العتيد والمجيد، منذ العهد الاستعماري كمنافح صلب عن حقوق العاملين وقضايا الوطن.. ذلك عندما استحدث ما يسمى نقابة (المنشأة)، عوضاً عن نقابة المهنة لخلط الأوراق والفواصل الطبقية لإضاعة حقوق الأعضاء وتحجيم التأثير السياسي.. كما يشهد عليه دوره بالخارجية، حيث واصل (التمكين الكيزاني) الذى بدأه بالخدمة المدنية والاتحادات الزراعية والمهنية.. لذلك كله، ولغيره من المخبوء في أقبيية التنظيم السري للإخوان، الذي لا يعلمه سواهم، اختاروا غندور لهذا الخريف السياسي المنذر بالعواصف والصواعق.
٭ بالأمس القريب خرج الدكتور على الناس ببيان على صفحته الرسمية بالفيسبوك.. كله هذيان محموم أو (هضربة مورود) بلغة أهلنا.. حتى أصابنا إشفاق غير متوقع للحالة التي ألمت به.. و هو من عرف فيما قبل بالإتزان و التحسب لكل ما يصدر عنه من كلام، كما سبقت الإشارة.
نواصل