العفيفي و جدل الهوية الماسخ (1-2)

جدل (الهوية العرقية) هو في حد ذاته جدل بيزنطي ماسخ، لا يقدم إن لم يؤخر، كما تؤكد التجارب الإنسانية المرصودة.. خصوصاً في بلد متعدد ومتنوع الأعراق والثقافات كما هو حالنا.. وأعجب لرجل مثقف كدكتور الباقر العفيفي، رئيس مركز الخاتم للاستنارة والتنمية، أن يكون مسكوناً بمثل هذه الهواجس ذات الأبخرة و الروائح التمييزية المنفرة.. لدرجة تجعله يؤم المختبرات الجينية البريطانية، ليعرف أصله من فصله..و ليخرج علينا بهذا (الاكتشاف العبقرى) بأننا (أمة مزيفة ومعقدة).. بعد أن وجد- كما قال- أن نسبة (97.9 %) من جيناته أفريقية، وهو الجعلي أباً وأماً، ومن (بني العباس) المفترضين كما يسخر ويتهكم على مزاعم قومه (الموهومين)!
* أول وأبسط سؤال نطرحه على منضدة الأستاذ (المكتشف) مباشرة: هل كانت الهجرات العربية للسودان التي لا تزال بعض قبائلها.. على سمتها وسحنتها ولهجتها العربية.. مجرد وهم اخترعه عشاق (العروبة والاستعراب).. ثم ما هذا السر الباتع الذي منح اللغة العربية كل هذا التفوق حتى صارت لسان الأمة ومناط ثقافتها، وحتى غدت العربية لغة التفاهم المتاحة بين القبائل السودانية، التي تتحدث لغات أخرى محلية متباينة، كما هو الحال مع(عربي جوبا).. هل أتت هذه اللغة ومحمولاتها الثقافة والدينية مع نسمات الرياح الشمالية الشرقية، أو جاءت عالقة بين طبقات السحب والأنواء فتلقفها السودانيون .. أم يا ترى حملها بشر، من لحم ودم، مهاجرون أو غزاة- لا فرق- في وقت كانت الهجرات مفتوحة، وثقافة الغزو والفتح سائدة بين الأمم بشرعة القوة والشوكة.. فكانت لهم الغلبة على القبائل المحلية التي تآكلت حضارتها وتدهورت مناعتها- كما في حالة سوبا ومملكة سنار - أمام الزحف العربي الثقافي واللغوي الذي تستند إليه أنت شخصياً اليوم.. فتكتب وتتحدث به وتنهل من آدابه وأشعاره، لتسطر- للمفارقة- مرافعتك المغبونة ضد العرب والعروبة ومدافعتك عن (النقاء العرقي) الإفريقي الراجح جداً في دمك (بعربية فصيحة)، لن يفهمك شعب السودان (الأفريقي الخالص!) دون اللجوء إليها! .. بينما تنكر على جزء من هذا الشعب حاله الذي وجد عليه نفسه، دون أن يكون له دور مباشر في (انتحال العروبة المكروهة) أو حتى التركيبة الهجين التي تنفيها عنه.
* و يجدر بي هنا أن أعيد على مسامعك وناظريك بعضاً من حوار أجريته مع الزعيم السوداني الكبير د. جون قرنق في أغسطس من عام 1989 في أديس أبابا.. فقد سألته حينها عن كيف يتطلع للقيادة في بلد تسود فيه الثقافة العربية والإسلام؟ فكان جوابه: إنني على إدراك تام بأن (٧٠)% من أبناء شعبي إما عرباً أو مسلمين، وأنا أجتهد في الوقت الحاضر لتعلم العربية والإلمام بالثقافة العربية- هذا ملخص من الذاكرة لإفادة قرنق رداً على سؤالي ذاك - وقد نشر الحديث بالكامل على صفحتي الوسط بصحيفة (الاتحاد) الإماراتية في ذلك الوقت.
يتبع