العفيفي و جدل الهوية الماسخ (2-2)

٭ جدل (الهوية العرقية) هو في حد ذاته جدل بيزنطي ماسخ، لا يقدم إن لم يؤخر، كما تؤكد التجارب الإنسانية المرصودة.. خصوصاً في بلد متعدد ومتنوع الأعراق والثقافات كما هو حالنا.. و يجدر بي هنا أن أعيد على مسامع وناظري القراء بعضاً من حوار أجريته مع الزعيم السوداني الكبير د. جون قرنق في أغسطس من عام 1989 في أديس أبابا.. فقد سألته حينها عن كيف يتطلع للقيادة في بلد تسود فيه الثقافة العربية والإسلام؟ فكان جوابه: إنني على إدراك تام بأن (٧٠)% من أبناء شعبي إما عرباً أو مسلمين، وأنا أجتهد في الوقت الحاضر لتعلم العربية والإلمام بالثقافة العربية- هذا ملخص من الذاكرة لإفادة قرنق رداً على سؤالي ذاك - وقد نشر الحديث بالكامل على صفحتي الوسط بصحيفة (الاتحاد) الإماراتية في ذلك الوقت.
الغريب أن السلطات في الخرطوم صنفت ذلك الحديث، وهذه الجزئية بالذات، في باب (الدعاية السياسية) لزعيم التمرد، بما يؤكد عدم معاداته للعروبة والإسلام..كما كانت تصوره دعايتها الخاصة الموجهة للرأي العام العربي.. ودفعت أنا الذي كنت أمارس دوري المهني، ثمناً باهظاً من حريتي وصحتي جراء ذلك، لست الآن في مقام تفصيله.
٭ و هناك حقيقة علمية مهمة لم يبلغك إياها أو يلفتوا نظرك إليها، أؤلئك الذين زودوك بنتائج الحمض النووي (الدي إن إيه).. الذي أنزلته مكانا علياً، هو مقام (جهيزة) التي قطعت قول كل خطيب- على حد وصفك- حقيقة تقول إن شعوب العالم بأجمعها، حتى البيض الأوربيين، تنتمي (جينيا) لهذه القارة العجوز موئل ومصدر جميع أصناف الجنس البشري منذ أقدم العصور .. فلا غرابة إن وجدت جينات حضرتك من هنا، من أرض الشموس والصحارى والغابات المطيرة.. كما أنك تتجاهل حقيقة جيولوجية ثابتة رصدها العلماء منذ زمن طويل وأذاعوها على العالمين .. وهي أن الجزيرة العربية ذاتها، ما هي إلا شطر منفتق - منقسم عن القارة الأم إفريقيا، جراء الانهيار الأرضي الكبير المعروف علميا بـ(الأخدود الأعظَم) ويسمى اليوم جغرافيا بـ(البحر الأحمر).. و عليه إذا ما بحثت سيدي في جينات العرب، الذين تنكرهم وتغربهم، ستجدها ذات جيناتك التي تدعو لتمييزها والافتخار بها وتقديسها.. ثم إن دماء الناس بملياراتهم العديدة كلها واحدة، لوناً وتركيباً وتنقسم إلى ثلاث فصائل أساسية A و B وO) ) تدمج حرفان منها أحيانا وتضاف إليها علامات السلب أو الإيجاب(+&-) أحيانا أخرى، لتصبح في جملتها ثمانية فصائل لا غير، لا تفاضل بينها أو تمييز لأسباب علمية أو طبية، كلها سواء وليس بينها دم أزرق أو آخر أسود.. (فالدم قصاد الدم) كما هتف ثوار ديسمبر!
٭ أعود وأجدد لك الدعوة - وأنت المثقف والناشط الدؤوب -أن ينصرف جهدك ودورك التنويري إلى ما يوثق عرى الترابط بين قوميات السودان بمختلف مكوناتها العرقية والثقافية، حتى نفيد من ثراء هذا التنوع والموزاييك البشري الخلاق الذي هو نحن السودانيين.. وهذا مدخله الوعي السياسي وإحسان إدارة التعدد، وليس نفي أو إثبات أصل الجينات أو ألوان البشرة أو مخروطية الأنف أو فلطحتها.. مع تحياتي لك ودعواتي بالصلاح والتصالح مع النفس ومع الآخر أيا كان أصله وفصله.. فكلكم لآدم وآدم من تراب.