اضاءات

أوزون الثورة والثقوب السوداء (1)

٭ طبقة “الأوزون” هي سديم أزرق، يغلف كوكب الأرض و يتكون كل جزيء منها من ثلاث ذرات من الأوكسجين “O3”.. يتراح سمكها بين 15و 30 كيلومتراً، و تتشكل عند الطبقة الدنيا من الغلاف الجوى المحيط بالأرض.. مهمة هذه الهالة الزرقاء، التي تلون سماءنا المرئي هي- بحكم نواميس الخلق والطبيعة- تشكيل درعاً واقياً من مخاطر وصول أشعة الشمس فوق البنفسجية الضارة بصحة الإنسان والحيوان والنبات و العمران.. ومنها مثلا تسبيب السرطان والفتك بخلايا الحيوان وجينات النبات.
٭ منذ أواخر ستينيات القرن الماضي اكتشف العلماء أن هذه الطبقة الواقية آخذة في التآكل، بفعل أنشطة الإنسان الصناعية المفضية إلى انبعاث غازات الكلور والفلور والكربون “2 CFC” ذات الأثر المدمر لنسيج الأوزون، خصوصاً في المناطق الرقيقة حول القطب الجنوبي للكرة الأرضية، ليحدث ما أصبح يعرف بـ(الثقب الأسود) الذي يتيح تسرب الأشعة الشمسية الضارة.. و من ثم أخذوا في التفكير لإيجاد حلول لهذه المشكلة.. عبر زيادة الوعي البيئي وتقليل استخدام تلك الكيماويات، و تشجيع الاعتماد على المواد الصديقة للبيئة.
٭ أحوال ثورتنا(ثورة ديسمبرالمجيدة)، تشبه هذه الأيام ما لحق بطبقة الأوزون الطبيعية من أضرار و(ثقوب سوداء).. بعضها موضوعي وبعض آخر ذاتي.. الموضوعي منها بفعل فاعل، محلي أو إقليمي أو دولي.. و المحلي هو تركة النظام الساقط بكل تعقيداتها السياسية والاقتصادية والأمنية.
٭ الموقف الأمريكي من الثورة يمثل الثقب الأسود الكبير، خصوصاً بعد قرار الرئيس ترامب آخر الشهر الماضي تجديد (حالة الطواريء) الخاصة بالسودان، على أمن بلاده القومي عبر مذكرة للكونغرس، بذريعة أن هذا (إجراءا روتينيا)، مع الإبقاء على السودان تحت طائلة العقوبات، وضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب.. بمبررات شتى غير مبلوعة.. ما يعني أن التحول الذي جرى بإسقاط النظام العسكري- الإخواني لم يلق اعترافاً كاملاً لدى الإدارة الأمريكية التي تعلم، بلا شك، أن مثل هذا الاعتراف سيمثل دعماً للثورة و تشجيعاً للجماهير السودانية الثائرة، للمضي قدماً في استكمال التحول الديمقراطي، وتثبيت أركان الدولة المدنية، كما يشكل رادعاً معنوياً وعملياً لمحاولات العرقلة، إن لم يكن الردة، الإخوانية.
٭ الموقف الأمريكي، لا أراه غريباً من رئيس غريب على مجتمع السياسة كدونالد ترمب من جهة، ولا على الدولة العميقة الأمريكية التي يدعونها هناك بالمؤسسة the establishment»” ذات الارتباطات التاريخية الاستخبارية الراسخة مع حركة الإخوان من جهة أخرى.. ارتباطات تعود إلى أربعينيات القرن الماضي ونهايات الحرب العالمية الثانية، عندما كان مندوبها السامي للعلاقات الأمريكية - الأوربية المحامي سعيد رمضان صهر الزعيم المؤسس حسن البنا، كما رصدها الصحافي الكندي (إين جونسون) في كتابه الاستقصائي المهم (مسجد ميونخ).. ارتباطات شهدنا أثرها واضحا - من بعد - خلال الربيع العربي، و الضغوط التي تعرضت لها مصر عقب انتفاضة 30 يونيو 2013 والإطاحة بالرئيس الإخواني المرحوم محمد مرسي.
نواصل …

للانضمام لمجموعاتنا على واتساب

مقالات ذات صلة

إغلاق