هضربة غندور

٭ زمان في ريف السودان، عندما كنا أيفاعا، يصاب كثير من الناس، في فصل الخريف بالحميات المتنوعة..التي يسمونها (الوردة)، بكسر الواو و تسكين الراء .. و نظراً لعدم توفر الدواء الحديث القادر على خفض الحرارة بشكل سريع.. تتدهور حالة المريض (المورود) حتى يفقد الوعي ويبدأ بالهذيان، فيصدر عنه كلام مضطرب يفتقر للمنطق والتماسك، بما في ذلك الحديث عن شخوص ماتوا، أو غادروا البلد منذ وقت طويل، أو عن أحداث وقعت في ماض غابر.. فيصف أهله حالته تلك بالهضربة.. و يقولون في أسى (فلان بقا يهضرب ساكت.. مسكين الوردة طلعت في راسو.. الله يستر عليه).
٭ تذكرت تلك الحكاوي الخريفية القديمة.. و أنا أطالع أنشطة الدكتور إبراهيم غندور، الذي أختير رئيساً مكلفاً لحزب (المؤتمر الوطني) الساقط، في أوج خريف الغضب السوداني الذي أطاح سلطة الحزب، وزلزل حاضنته الفكرية - السياسية الإخوانية، كما لم تزلزل من قبل.
٭ الذين اختاروا غندور لهذه المهمة العسيرة من قادة الحركة، لم يفعلوا ذلك من فراغ.. بل أقدموا على ذلك بتدبر و بعد أن (نثروا كنانتهم) و تخيروا منها ما اعتقدوا أنه الأشد مضاءا و الأنسب، لهذه المهمة في هذه اللحظة الفارقة في حياة (الجماعة).. الأنسب من حيث (الشكل) ومن حيث (المضمون).
٭ فمن حيث الشكل امتاز غردون.. عفوا غندور.. بأنه رجل يشبه الناس العاديين المتمدنين، حليق الوجه لايشبه إخوانه الملتحين المعشوشبين المنفرين.. خفيض الصوت، لا يلجأ في أدائه المعتاد إلى التشنج و السب واللعن والكلام الجارح في مواجهة خصومه السياسيين.. فالرجل ناعم الملمس كالحية الرقطاء، التي تستبطن في حناياها السم الزعاف..المتمثل في (الدهاء الخبيث) الذي هو مضمونه.. وهذا ما يشهد عليه دوره التخريبي المدمر تجاه الحركة النقابية السودانية، ذات التاريخ العتيد والمجيد، منذ العهد الاستعماري كمنافح صلب عن حقوق العاملين وقضايا الوطن.. ذلك عندما استحدث ما يسمى نقابة (المنشأة)، عوضاً عن نقابة المهنة، لخلط الأوراق والفواصل الطبقية لإضاعة حقوق الأعضاء وتحجيم التأثير السياسي.. كما يشهد عليه دوره بالخارجية، حيث واصل (التمكين الكيزاني) الذى بدأه بالخدمة المدنية والاتحادات الزراعية والمهينة.. لذلك كله، ولغيره من المخبوء في أقبيية التنظيم السري للإخوان، الذي لا يعلمه سواهم، اختاروا غندور لهذا الخريف السياسي المنذر بالعواصف والصواعق.
٭ بالأمس القريب خرج الدكتور على الناس ببيان على صفحته الرسمية بالفيسبوك.. كله هذيان محموم أو (هضربة مورود) بلغة أهلنا.. حتى أصابنا اشفاق غير متوقع للحالة التي ألمت به.. و هو من عرف فيما قبل بالاتزان و التحسب لكل ما يصدر عنه من كلام، كما سبقت الإشارة.
٭ فماذا قال غردون.. عفوا غندور.. هذا ،حقا خلط غير مقصود..ربما لأنني عكفت لوقت طويل على مراجعة وتقديم مذكرات (غردون تحت الحصار) التي ترجمها الزميل الصديق فيصل محمد أحمد، وصدرت أخيرا في كتاب عن (هيئة الخرطوم للطباعة والنشر) .. فأخذ يختلط علي الأمر بالرغم عني، ربما نظراً لتشابه الأسماء ووقائع (الحصار) التي أحاطت بالرجلين..مع الفارق، طبعاً، بين سلمية ثورة ديسمبر وعنف الثورة المهدية.
٭ قال غندور في تدوينته الأخيرة: وجب الآن قيام مؤتمر لمصالحة وطنية شاملة، يضم الجميع (بلا استثناء)، حركات مسلحة، الأحزاب، بما فيها (المؤتمر الوطني)، و الإتفاق على ثوابت وطنية، والتأكيد من الجميع على تحول ديمقراطي.. و إن حزبه لن يشارك في الحكومة الحالية أو المجلس التشريعي الانتقالي.. مضيفاً لكن (بكل تأكيد) سيشارك في الانتخابات النيابية لإعداد دستور دائم للبلاد.. وفصل من بعد، حول كيف يكون الحال بعد الانتخابات، من حيث توزيع الحقائب بالأوزان البرلمانية ومسؤوليات رئيس الجمهورية (العسكري) المنتخب برلمانيا.
٭ لكن الأغرب من ذلك كله، تحليله للعقوبات التى تعيق انطلاق البلاد اقتصاديا، حين كتب: أعتقد الآن سيفهم الجميع، وخاصة الشباب، أن العقوبات الأمريكية على السودان ليس المقصود منها الانقاذ أوحكومة البشير، إنما المقصود بها السودان الدولة.
٭ وعن الثورة التي اقتلعت نظامهم يقول: الشارع ليس ملكاً لقوى الحرية والتغيير… الشارع خرج لضيق العيش وغلاء الأسعار وندرة الوقود والنقود، وخرج غاضبا من استفزازات القوات الأمنية.
٭ إنها (هضربة الوردة السياسية) و الحصار.. التي أفقدت الرجل الاتزان والمنطق، وجعلته يهرف بحديث الأماني و الأحلام الظلوطية: يتمني أن يعود حزبه من خلال مؤتمر مصالحة أو (حوار وطني جديد) و أن يشارك في أول انتخابات قادمة.. أنسته الحمى الفتاكة أن ميثاق الحرية و التغيير يحرمه من ذلك.. و هيأت له أيضا أن المقاطعة الأمريكية و التصنيف ( الارهابي) أشياء لا علاقة لها بسلوك نظامه الساقط.. إنما المقصود هو السودان لذاته، لله في الله أو (كدا كجر و كجنة)..وحتى الثورة عنده ما قامت عشان الانقاذ (فاسدة و مجرمة) لكن لأن الناس جاعت وضاقت من الغلاء و ندرة الوقود والنقود، و من اسفزازات (قوي الأمن) التي هي عنده لا علاقة لها بالنظام..
إنني أخشى، صدقا وحقا، على (نفسيات) ذلك الرجل (الرزين)٭٭ نعيد نشر المقال متابعة لرسائل غندور على وسائل التواصل الاجتماعي التي لم تنقطع، و التي لم تحمل جديداً غير إثبات الوجود العبثي، ومع اقتراب موكبهم الذي أسموه (الزحف الأخضر) السبت القادم.