زيرو إنقاذ!

٭ جاء في الأخبار أن منظمة (زيرو فساد) إحدى منظمات المجتمع المدني التي نشطت على الساحة بعيد انتصار الثورة قد فازت بقصب السبق في التمهيد لحل حزب المؤتمر الوطني أهم (سواقط) ثورة ديسمبر المجيدة.
٭ المنظمة التي برزت ونشطت على الساحة تحت عناوين ملاحقة فساد النظام المخلوع -الفات الكبار والقدرو - لم تسلم ككل جماعة متحركة أو كيان ناشط من ملاحظات أو مؤاخذات .. هي على قفا من يشيل هذه الأيام .. حالة متوقعة.. عادة ما تصاحب كل الثورات أو تتلوها.. حالة يصعب خلالها فرز الحق من الباطل.. وكان من بين ما شاع عن تلك المنظمة التي اشتقت اسمها - بلا حرج أو تدقيق - من أدبيات الإنقاذ الدارجة كـ(زيرو عطش و زيرو أمية وهلم جرا) إنها تلجأ للتسويات مع الفاسدين عبر النيابات، عوضاً عن اللجوء للقضاء والمحاكم.. مما ذكَّر السودانيين بمسرحيات (التحلل) السمجة التي أدمنها مفسدو الجماعة .. هذا ما قيل عنها، ولسنا الآن في وارد تأكيده أو نفيه على كل حال.
٭ ما همنا لأغراض هذه الإضاءة، هو ما أعلنته المنظمة على لسان رئيسها نادر العبيد لأنه يعني بمصير (التور الكبير) الذي ظل يمارس (البتبتة) حتى بعد السقوط، فلم يستفد من حكمة أهلنا القائلة (التور كان وقع كتر البتابت عيب).. وظل يمارس نشاطه و يخاطب الأمة و كأن شيئا لم يكن، عبر رئيسه البديل أو (الاستبن) بلغة الرياضيين، إبراهيم غندور.
٭ العبيد أبلغ صحيفة (التغيير) الإلكترونية، التي ترأس تحريرها الصحافية النابهة رشا عوض، أن محكمة الطعون الإدارية قد ألغت قرار مسجل الأحزاب الذي رفض بموجبه حل حزب (المؤتمر الوطني) لمخالفته المادة (14) من قانون الأحزاب التي تحظر استخدام أي حزب مليشيات عسكرية لتحقيق أي غرض كان.. وأوضح العبيد أن منظمته كانت قد دونت بلاغاً ضد الحزب منذ يناير الماضى.. عندما خرج نائب الرئيس الأسبق عضو المكتب القيادي للحزب (القاضي والمحامي السابق)! علي عثمان في قناة (سودانية 24) - في معرض دفاعه عن النظام - معلناً على الملأ السوداني والدولي أن لديهم (كتائب ظل) ستدافع عن النظام مهما اقتضي الأمر، حتى لو بأرواحها.. لكن مسجل الأحزاب - بحسب العبيد- رفض حل الحزب.. فطعنت (زيرو فساد) في قرار المسجل، وبعد عدة جلسات آخرها يوم الإثنين الماضى قرر قاضي المحكمة الإدارية إلزام مسجل الأحزاب (بتبني قرار الحل) .
٭ ولأن المسائل القانونية.. لا يجوز فيها اجتهاد المحللين و المراقبين غير المختصين من أمثالنا.. اتصلت على الصديق المحامي والناشط السياسي الأستاذ معز حضرة، أحد رفاق الراحل الكبير الأستاذ علي محمود حسنين في قضية الإنقاذ الكبرى (الانقلاب وتقويض الدستور)، أسأله عن التكييف القانوني لإفادات العبيد، وأهمية ما انتهى إليه قاضي المحكمة الإدارية من حكم.. فأجابني بأن قرار القاضي واجب النفاذ من وجهة نظر القانون.. وإذا لم ينفذ مسجل الأحزاب ومجلسه قرار القاضي يعرض نفسه للمحاكمة بتهمة الامتناع عن تنفيذ أمر قضائي.
٭ عندما أنهيت حديثي مع مولانا المعز وجدتني أردد في سري المثل السوداني البليغ (يضع سره في أضعف خلقه)! .. ذلك من باب المقارنة/المفارقة بين منظمة مجتمع مدني حديثة النشأة هي (زيرو فساد).. و (قوى الحرية والتغيير)، أكبر وأوسع تحالف في تاريخ السودان، زائداً الحكومة الانتقالية بمكوناتها المدنية والعسكرية.. فها هي منظمة صغيرة من عدة أفراد تضع حزب (الثمانية ملايين) - كما كانوا يزعمون ويتبجحون - (بين الميتة والحياة) أمام منصة العدالة.. كما تحاصر أيضا (مجلس الأحزاب الإنقاذي) المعين خصيصاً للسيطرة على الساحة السياسية، كما هو حال المجلس القومي للصحافة المتحكم ببلاط (صاحبة الجلالة)، ومجالس شمولية أخرى كثيرة يفرقها الاختصاص ويجمعها الغرض/المرض.
٭ التاريخ يسعفنا، هداكم الله، بنماذج شاخصة في أن التغيرات الجذرية والتحولات الكبرى في حياة الشعوب، خصوصاً لدى الانتقال من النظم الاستبدادية الفاشستية إلى رحاب الحرية.. بغض النظر عن مبررات المستبدين الدعائية.. عنصرية كانت أو قومية -شوفينية أو دينية - تطرفية..لا بد لتلك الشعوب من أن تتجاوز وتقطع مع الماضي الكئيب وكياناته التي أهدرت كرامة الإنسان وحريته، وسلبته حتى حق الحياة، وعاشت على القمع والحروب والإبادات الجماعية.. هكذا كان الأمر مع النازية الألمانية والفاشية الإيطالية والفرانكوية الإسبانية والعنصرية الجنوب-أفريقية.. كلهم، كلهم ذهبوا إلى مكبات التاريخ.. تم (تصفيرهم) وأصبحوا أثراً بعد عين، و بالقانون.. القانون العادل الذي يحمي حق الشعوب في العيش الحر الكريم، ضد أعداء الحرية.. فهل خطوة (زيرو فساد) ستنتهى بنا إلى بداية تصفير المؤتمر الوطني أي إلى (زيرو إنقاذ)؟.. ربما!
٭ نعيد نشر هذه الإضاءة بمناسبة صدور قانون تفكيك التمكين الإنقاذي وحل حزب المؤتمر الوطني وأذرعه النقابية ومنظماته المدنية والطوعية.