دفع بها الميرغني المصالحة الوطنية .. تحريك البركة الساكنة

بعد هدوء سياسي شهدته الأحزاب السياسية بصورة عامة فيما عدا قوى الحرية والتغيير والمؤتمر الوطني المحلول، فاجأ الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل الساحة السياسية بدعوة إلى وفاق وطني شامل بغية تجنيب البلاد التمزق والفرقة ووضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار عبر ما أسماه بـ(المصالحة الوطنية)، واشترط مولانا محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب ومطلق الدعوة أن لا يفلت من هذه المصالحة ظالم من العدالة أو تضيع فيها الحقوق.. ورأى مراقبون أن مولانا ربما بدا له التوقيت مناسباً لطرح هكذا مبادرات، ولكن تبقى التكهنات بنجاحها أمراً مرهوناً بفحواها والآليات المتبعة في ذلك، ومدى تقبل المكونات السياسية المختلفة والمضادة لفكرة الانسجام أو تخطي الخلاف والاختلاف.
تقرير:اسماء سليمان
خطى حثيثة
الاتحادي بجميع فصائله يمضي في طريق المصالحة بجدية، كشف عنها انخراطه مؤخراً في اجتماعات له بهذا الخصوص، وهذا ما أفصح عنه القيادي بالاتحادي الأصل الزين العوض لـ(آخر لحظة)، وقال إن أجندة اجتماعاتهم يترأسها دعم خط مولانا من كافة فصائل الحزب الاتحادي، فضلاً عن رفض الإقصاء وقبول الآخر اللذين يتسببان في نتائج عكسية حال ممارستهما سياسياً، مع وضع في الاعتبار أن السودان يسع الجميع، ولفت إلى تواصلهم مع المؤتمر الشعبي وشرح خط مبادرة المصالحة الوطنية، وتوقع العوض أن تجد المبادرة قبولاً لدى الأوساط السياسية واستدل بحديث عمر الدقير الذي أشار فيه إلى رفض التمكين وبدائله وكذلك ممارسة الإقصاء والمحاصصة .
العوض رفض تشبيه مصالحة الميرغني بالحوار الوطني في عهد البشير، وقطع بأن حوار الوثبة كان التفافاً على دعوة الاتحادي للوفاق الوطني، وأكد أن حزبه قد سبق الوطني في ذلك حين دعا إلى وفاق وطني بدأ التسويق له في الولايات ومع الطرق الصوفية، وأبان أنه لا تشابه بينها وبين الحوار الذي كان ذا أهداف واضحة.
* اغتنام الفرصة
الجدير بالذكر أن شمولية مصالحة الميرغني تشي بأنها ستضم كافة الأطياف السياسية بما فيها الوطني الذي يبدو أنه وجد فيها مدخلاً يعود به إلى السلطة وإشباع شهوته فيها، أو تمكنه من فك الحظر السياسي المفروض عليه بعد الثورة على أقل تقدير، ما جعل رئيس الحزب البروف إبراهيم غندور يعلق على صفحته الرسمية على (فيسبوك) قائلاً: (ليس بغريب على مولانا السيد محمد عثمان الميرغني زعيم الختمية ورئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، دعوته إلى وفاق وطني شامل يجنب البلاد التمزق والفرقة والشتات، من خلال العمل على عقد مصالحة وطنية شاملة وعلى الجميع بلا استثناء تقديم مصالح البلاد والعباد فوق كل اعتبار أو مصلحة أخرى)، ما لا يدع مجالاً للشك أن الوطني قبل دعوة المصالحة الشاملة .
* عين الحكمة
تباينت آراء السياسيين حول مستقبل مصالحة الميرغني، إلا أن الأوضاع السياسية المتشابكة وبروز تحركات سياسية من قبل معارضي الحرية والتغيير كما حدث فيما أطلق عليه بالزحف الأخضر، جعلت أستاذ السياسة والدراسات الإستراتيجية عبد الوهاب عثمان محمد كوكو يوصف المصالحة بـ(عين الحكمة) في هذا التوقيت الذي لم تحسب فيه الحرية والتغيير حساب المتغيرات السياسية، وأفصح في قراءته وتحليله لتسارع الأحداث السياسية الأخيرة بأنه ليس كل من خرج للشارع إبان الثورة مناصر للحرية والتغيير، وإنما كان معظم الناس خارجين ضد النظام السابق وظلمه، وأكد أن الأوضاع الآن تغيرت واختلطت فيها العوامل، ما يجعل من انفراد الحرية والتغيير بالسيطرة على الحكم يخلق نوعاً من التململ من المكونات السياسية الضعيفة، وتخوّف كوكو من وقوع كارثة حقيقية حال رفضت قوى الحرية قبول المصالحة الشاملة .
* غيرة سياسية
وبالمقابل قلل المحلل السياسي صلاح الدين الدومة من جدوى المصالحة، وأكد أنها لا تعد عن كونها تحصيل حاصل ولا معنى لها، وقال إن كانت تشترط عدم إفلات الظالم فلماذا لا تنتظر المصالحة حكم المحكمة والفصل في الأمر، الدومة وضع دعوة الميرغني في حيز من يريد القول (أنا موجود)، وتوقع في الوقت نفسه أن تكون دوافعها غيرة سياسية، الرجل بنى تحليله على أن غريم الميرغني (الإمام المهدي) موجود بكثافة في الساحة السياسية، وأبان أن زعيم الاتحاديين يريد بدعوته كسب بعض الأسهم ليقلل من وجود منافسه ولو بنسبة قليلة، واضعاً احتمالاً آخر يدفع بالإفصاح عنها وهو أن تكون مسرحية بإيعاز من الدولة العميقة بحسب تعبيره، تهدف إلى تقليل الحماس وامتصاص غضب الناس، مستدلاً بإسراع الوطني بإعلانه ترحيبه بالدعوة .
* حوار وطني
وليس بعيداً عن ذلك فإن المهدي قد دعا في خطابه بالدمازين، قبل يومين، دعا قوى الحرية والتغيير لعدم الاستهانة بالتيار الإسلامي لما له من قوة وعتاد ومال، وأكد ضرورة تغليب مصلحة الوطن العليا وتجنيب البلاد الانزلاق نحو مصير مجهول، وأشار لوجود أخطاء كارثية في ممارسات حكومة الفترة الانتقالية، ولم يستبعد تدخل الجيش لتصحيح المسار، وجزم المهدي بأن الانتخابات المبكرة هي الحل الوحيد للخروج بالبلاد من هذا المأزق، ودعا المهدي التيار الإسلامي لتقبل حوار وطني يتوج بمصالحة وطنية شاملة عبر مؤتمر جامع يشارك فيه كل أهل السودان.