(علمانية كسر رقبة)
راي:أبوبكر عبدالله
ابتدأت لكم مقالي بالمقولة السودانية السائدة (كسر رقبة) وهذه تقال عندما يتمسك الشخص بشيء ويصر عليه، وليس بمقدور الشخص الآخر الذي يطلب منه ذلك تنفيذ الطلب فعل ذلك.
الشعب السوداني يتابع بلهفة وتوجس المفاوضات في جوبا بين الحركة الشعبية والوفد الحكومي، ولكن بعض العثرات تربك إمكانية الحصول على تحقيق السلام، بسبب تمسك الشعبية جناح الحلو بعلمانية الدولة.. يأتي (كسر الرقبة) هنا على وفد التفاوض، الذي لا يمكن الموافقة على هذا البند دون الرجوع إلى الشعب السوداني.
مسألة فصل الدين عن الدولة لا تتخذها جلسات التفاوض في جوبا، ولا وفد حكومي ولا حركات مسلحة، هذه مسألة وقضية شعب كامل، والسواد الأعظم من الشعب يرفض العلمانية بكل مكوناته الدينية الكبرى، من صوفية، وسلفيين، وأنصار سنة، والأحزاب السياسية العريقة الإتحادي والأمة.
قضية مثل هذه تحددها صناديق الانتخابات، ليس في جلسات التفاوض والغلبة للأكثرية.
الحجة الضعيفة التي تتمسك بها الحركة الشعبية حجة الأقليات غير الدينية، كان الدين الإسلامي ضد الأقليات!. لا والله وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير شاهد على تمتع الأقلية غير المسلمة بالحرية الدينية، رغم ما قاساه الصحابة الكرام الأوائل من مشركي مكة، إلاَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم -الذي اكتوى أيضاً بنار القسوة والتعذيب- لم يَرُدَّ على الكافرين والمشركين بهذا الأسلوب، ولم يعاملهم بالمثل، عندما أنعم الله عليه بالنصر والتمكين، ولم يرتضِ يوماً أن يفرض عليهم عقيدة لم يقتنعوا بها بعدُ، امتثالاً لأوامر القرآن الكريم التي يقول الله عز وجل فيها: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [يونس: 99]، وهو ما طبَّقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل منه دستوراً للمسلمين في تقرير الحرية الدينية.
ومما يؤكِّد هذه الحقيقة ما ورد في سبب نزول الآية: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) البقرة: (256)، فقد جاء أنه كان لرجل من الأنصار من بني سالم بن عوف ابنان متنصران قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قَدِمَا المدينة في نفر من النصارى يحملون الزيت، فلزمهما أبوهما، وقال: لا أدعكما حتى تُسلما، فأبيا أن يسلما؛ فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟! فأنزل الله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) الآية، فخلَّى سبيلهما.
وهكذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والد الابنين المتنصرين والمخالفَين له ولرسول الله صلى الله عليه وسلم في العقيدة، بأن يَدَعَهُما وما يعتقدان، ويخلِّي بينهما وبين ما يعبدان، حتى وإن كان له عليهما حقُّ الطاعة!
كما أقرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرية الدينية -كذلك- في أول دستور للمدينة، وذلك حينما اعترف لليهود بأنهم يشكِّلون مع المسلمين أُمَّة واحدة.
إذا أصرت الشعبية على هذه المسألة دون الرجوع إلى الشعب، يمكن أن تتطبق العلمانية في مناطق سيطرتها ونفوذها، وتمنح حكماً ذاتياً مثل كل البلدان المجاورة من حولنا، وأمريكا الجنوبية وآسيا والعالم الإفريقي عدة بلدان، ولايتها تتمتع بحكم ذاتي.
الثورة المباركة والمجيدة قامت ضد تجبر وطغيان البشير وزمرته الحاكمة، وليس ضد الدين كما يتوهم بنو علمان.
(المسلمون) فقط يجب فصل دينهم عن دولهم !!
لكن السويد و النرويج و فنلندا وأغلب الدول الأوروبية تحمل الصلبان في أعلامها، أما الفاتيكان والتشيك تمنع بناء المساجد على أراضيهما، فيما منع بناء المآذن في بلد التحضر سويسرا.. وأمريكا وبريطانيا ذروة سنام الديمقراطية تخوض جيوشهما حروباً صليبية في مشارق الأرض، وتدفع حكوماتها مليارات الدولارات لنشر النصرانية في افريقيا وآسيا.
فرنسا رأس الحرية منعت النساء من الحجاب والنقاب، وتجبر المسلمات على لبس البيكيني في المدارس.. إسرائيل التي تنعت نفسها (واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط) دستورها هو التوراة وقوانينها تنص على يهودية الدولة، وأنها لليهود فقط دون غيرهم .
فصل الدين عن الدولة وهم صنعوه لك أنت… لأنهم يعلمون أن الإسلام يهدد طغيانهم وتجبرهم في الأرض.
كما أن مبادئ العدالة توجب احترام خصوصية الشعوب، والقوانين الدولية تحرم التدخل في سياسات الدول، وأيدلوجيات تنظيمها وتشدد على حرية الرأي والتعبير، إذًاً يجب على تلك الدول احترام سيادة الشعوب العربية والمسلمة، لما يتفق مع ثقافاتها وإرثها التاريخي .
إذاً قبل وفد التفاوض الحكومي بهذه القضية دون الرجوع إلى الشعب السوداني على بلادنا السلام، وسندخل سيناريوهات ليبيا وسوريا واليمن.
اللهم جنب بلادنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.