سأعيش في جلباب أبي ووطني (1-2)
راي:د. سوزان مأمون حُميدة
ما زلتُ أترقب في كل حينٍ ولحظةٍ سماع خبر الإفراج عن أبي البروفيسور مأمون محمد علي حُميدة، إذ أنه شُغلي الشاغل، إذ أن التفكير فيه يشغلني في صُبحي ومسائي، فتنداح سيرته العطرة في مجالسي واجتماعاتي، على الرغم من أن مسؤولياتي في جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا ومستشفى الزيتونة التخصصي تترى عليّ دون هبغةٍ أو ربقةٍ، ولكني أعيشُ نهاري وليلي في جلباب أبي ووطني.. فلما ضاقت بي الدنيا، بسبب عجزي عن رفع الظُلم الذي حاق بأبي منذ يوم الأربعاء 17 أبريل 2019، ذلك تاريخ اعتقال أبي ظُلماً وجوراً، لا لذنبٍ جناه سوى أنه لبى نداء الوطن في هجر خواصه وأعماله الخاصة، لخدمة الوطن والمواطن، لا يبتغي من تلبية نداء الوطن، شيئاً من الجاه ولا السلطان، ولا يسعى من خلال ذلك إلى مالٍ مستحقٍ أو جاهٍ بحقٍ، إذ أنه يعمل دون راتبٍ أو حافزٍ أو استحقاقاتٍ أو مُعينات، فحتى نثريات مكتبه خصصها لأصحاب الحاجات والمعوزين، كل ذلك في غير منٍ أو أذىً، وكأنه يتمثل في نفسه قول الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي:
وأفضلُ الناسِ ما بين الورى رجلٌ
تُقضى على يده للناسِ حاجات
لا تمنعن يد المعروف عن أحد
ما دمت مقتدراً فالسعد تارات
وأشكر فضائل صنع الله إذ جعلت
إليك لا لك عند الناس حاجات
وليس ببعيد عن ذهن أبي وذهني، قول الشاعر العربي أبي مُلَيْكة جرول بن أوس بن مالك العبسي المشهور بـالحُطيئة:
مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ
لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللَهِ وَالناسِ
وفوق هذا وذاك، استذكرتُ قول الله تعالى: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).. فانكب أبي بعد تسنمه وزارة الصحة بولاية الخرطوم، بُكلياته يعمل جاهداً مجتهداً في إنفاذ رؤاه ومرئياته عن الصحة والطبابة، أكسبته عدواة زملائه الأطباء الذين تضرروا من سياساته غير التقليدية في مصالحهم الخاصة، بينما كسب بها محبة مواطنيه الذين جاءهم العلاج والدواء بالقرب من منازلهم، وتدلى إليهم في قراهم وأريافهم ونجوعهم.
لم يكن في حسباني، أن أبي سيمكث بعيداً عنا، حبيساً مظلوماً، طوال هذه المُدد الأليمات، عندما علمنا في الأيام الأُول من اعتقاله أنه اعتقالٌ تحفظي، بحُجية أنه مستهدفٌ في شخصه، فالاعتقال تحفظي لحمايته، وسيُفرج عنه عما قريب، ولكن ما زال رهين المحبس إلى يوم الناس هذا.. فلم نجد مناصاً سوى مواصلة مناشدات الأسرة إلى الجهات المختصة، عسى ولعل يشفع لأبي، تذكيرنا بمآثره للجهات المختصة، وما قدمه من جُهد في الصحة والطبابة والتعليم الجامعي، مستصحبين أنين أسرته، ورجاءات رسلائه، وتوسلات عارفي فضله وعلمه، للأسف لم تجد تلكم المناشدات والرجاءات والتوسلات، أُذناً صاغية، تسمع منا لكي ترد علينا، وما زلنا نعقد الرجاء، ونتوسد الأمل، في أن نرى أبي بيننا يملأ علينا حياواتنا سروراً وحبوراً، بعد أن مُلئت بغيابه ظُلماً وجوراً.
تابعتُ مثل غيري، ولكن بكثير اهتمامٍ، اللقاء التلفزيوني الذي أجرته قناة (الجزيرة مباشر) مع الفريق أول ركن عبد الفتاح عبد الرحمن البرهان رئيس المجلس السيادي يوم الخميس 21 نوفمبر 2019، والذي أشار فيه الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى أن النيابة العامة مسؤولة عن مصير رموز النظام السابق المعتقلين في سجن كوبر منذ سبعة أشهر. وراع انتباهي، أن الرئيس البرهان نفسه، سبق أن أشار إلى أن النيابة العامة مسؤولة عن قرار إطلاق سراح رموز النظام السابق المعتقلين في سجن كوبر أو استمرارهم، أوتقديمهم إلى المحاكمة، إن كانت هنالك تُهم محددة وُجهت ضدهم..