السودان ومأزق التغيير .. يا تلفزيون يا (2)
راي:ضياء الدين سيد سمهن
في الوقت الذي انتشرت فيه القنوات الفضائية المتخصصة وملأت الأسافير بالغث والثمين إلى درجة أن قنوات الطبخ والرقص والدردشة (الشات)، والمسابقات والألعاب أصبحت لا تعد ولا تحصى في محيطنا الدولي والعالمي.
وفي الوقت الذي أصبحت فيه قنواتنا المحلية الفضائية تكاد تفوق العشرين قناة بما فيها القنوات الولائية والتعليمية بالرغم من ذلك فشل القائمون على أمر الإعلام في بلادي الآن في إنشاء أو إصدار ترخيص على الأقل للإخوة المسيحيين والأقباط يسمح لهم بإنشاء قناة فضائية تمثل تطلعاتهم الإعلامية والتثقيفية وتلبي تطلعاتهم الدينية كشريحة مهمة في المجتمع السوداني، يجب أن تجد حقها من المخاطبة الإعلامية التي تناسبهم إحقاقاً للعدالة الاجتماعية والدينية والمساواة،
ولكن أصر القائمون على أمر الإعلام على حشر برنامج مدته لا تزيد عن الساعة مساء كل أحد من كل أسبوع، يخاطب هذه الشريحة، يبث عبر القناة الرسمية (تلفزيون جمهورية السودان)، المعبر عن هوية البلد الرسمية والغالبة في تغول صريح على حقوق الفئة الغالبة ومزاجها والتزامها الديني والعقدي.
هذا البرنامج أعتقد أن الإخوة المسيحيين لن يتابعوه ولن يكون جاذباً لهم، لأنه يخاطبهم من خلال قناة ترفع شعار التوحيد لا إله إلا الله، ومن خلال قناة قد يرونها بالنسبة لهم لا تمثلهم دينياً وثقافياً فكيف غابت عن ذهن القائمين على الأمر
حسابات مثل هذه، ولم يفكروا في الخصوصية لكل الأطراف وفكروا فقط في العدالة والمساواة.
من أين جاءت هذه الكفاءات التي أتت بها حكومة الثورة لإدارة التلفزيون لتتخذ قرارات مثل هذه القرارات العجيبة المعيبة وتخلط الأمور دون دراسة ولا دراية بحثاً عن عدالة زائفة، قرارات مثل سلق البيض على عجل للحاق بسوق الأمريكان (تم هذا الأمر قبل زيارة حمدوك إلى أمريكا بثلاثة أيام)، قرارات محرجة لا يمكن التراجع عنها بعد اكتشاف خطلها ولا يمكن كذلك الاستمرار فيها.
أما كان الأجدر بالقائمين على أمر الإعلام والتلفزيون الجدد أن يقنعوا المسيحيين والأقباط بأن ينشأوا قنوات فضائية تخصهم كما يحلو لهم ويستثمروا فيها ويجنوا من ورائها الأرباح وهم أصحاب تجارة وأموال، خصوصاً أن الإعلام الديني يتجه نحو الخصوصية والتخصص، فكم من قناة شيعية أو سنية أو قبطية، ومن المؤكد أن أقباط السودان ومسيحيه يتابعون شؤون دينهم على قنوات متخصصة تبث من دول خارج السودان، فهناك مئات القنوات التي تخاطبهم في مصر وأثيوبيا وأوربا ولبنان وهم لا يحتاجون إلى برنامج الساعة كل أحد، الذي أفرده لهم القائمون على أمر الإعلام.
الذي أود أن أسوقه في الختام إلى القائمين على الأمر، أن يراجعوا ويدرسوا هذا القرار جيداً ويحاولوا أن يجدوا مخرجاً من هذا القرار المحرج بإصدار تصريح بإنشاء قناة تخص الإخوة المسيحيين بدعم أو شراكة من الدولة، ولا أعتقد أنهم سيعجزهم أن يمولوا قناة تكون لساناً لحالهم، فقط أمنحوهم ضوءاً أخضر وبذلك تكونوا قد حققتم العدالة لكل الأطراف، فحشر برنامج واحد في قناة كاملة يعتبر ظلماً لهم ومساحة ضئيلة لا تكفي لتوجيه خطاب إعلامي كافٍ، وفي نفس الوقت تغول على ثوابت وحقوق أغلبية وطمس لهويتها وخلط للكيمان.
هذا القرار يشبه كثيراً من القرارت التي نتفاجأ بها صباح مساء، منذ مجيء حكومة السيد حمدوك، وهي امتداد للقرارات العشوائية التي كانت تصدر إبان العهد البائد دون دراسة ووفقاً لمقتضى الحال في استمرار لنهج الارتجال وكأنك يا أبو زيد ما غزيت ولا شفت الغزو.