دعوا الدعم وشأنه !!

عندما تسنم الخبير الاقتصادي إبراهيم البدوي، منصب وزير المالية في حكومة حمدوك، برزت مخاوف من أن يطبق الوزير وهو المعروف بصلته الوثيقة مع مؤسسات البنك الدولي وصندوق النقد، توصيات هذه المؤسسات الخاصة برفع الدعم عن السلع الأساسية التي ظلت تنادي بها على الدوام كمدخل لمعالجة الوضع الاقتصادي بالبلاد.
ما تمخض عن الجلسة الاستثنائية لمجلس وزراء حكومة الثورة أمس يشير إلى أن حكومة حمدوك تسير في هذا الطريق الشائك، ميزانية 2020 التي مازالت في طور الإعداد تقر رفع الدعم عن (البنزين، الجازولين) في مقابل زيادة أجور العاملين بالدولة بنسبة 100 بالمئة .
النظام المباد ظل يعول على هذه الخطوة غير المدروسة خلال الأعوام التي أعقبت انفصال دولة الجنوب وفقدان النفط لسد عجز الموازنة، وكانت النتائج دائماً كارثية، وتجد الرفض من قبل الشارع ومجموعة (قحت) عندما كانت في الضفة الأخرى، أثبتت التجارب أن المعالجات التي تصاحب رفع الدعم أي كان تدريجياً أو جملة واحدة لم تجد نفعاً، زيادة مرتبات العاملين في الدولة الذين لا يتجاوز عددهم مليون عامل ستشعل السوق وترفع معدلات التضخم، فالزيادة لن ينعم بها العامل وستترتب عليها آثار كارثية على أصحاب الدخول المحدودة من أرامل ومعاشيين وغيرهم، بجانب أن السواد الأعظم من الشعب لا يعملون في وظائف بالدولة أما عاطلين أم أصحاب مهن هامشية.
المرحلة الحالية تتطلب إبقاء دعم (الجازولين) باعتبار أن تأثيره كبير على كل السلع والخدمات بلا استثناء، ولكن في مقابل ذلك لا ضير أن تتم مراجعة دعم البنزين، دائماً ما أجد نفسي منحازاً للأصوات التي تنادي برفع الدعم عن البنزين وتحويله إلى الجازولين، فلا يعقل أن يصبح سعر لتر المياه المعدنية أغلى من سعر لتر البنزين، وفي تقديري أن الشريحة الأكبر من المستضعفين المستهدفين في المقام الأول بهذا الدعم لا يستفيدون من دعم البنزين في شيء، بل يذهب لصالح الأثرياء والمقتدرين.
رفع الدعم عن البنزين وتحويله للجازوين بالتأكيد سيكون له انعكاسات إيجابية على قطاع النقل والقطاعين الزراعي والصناعي وسيسهم في خفض الأسعار بصورة كبيرة ومباشرة، معلوم أن كل ناقلات البضائع والسلع من الموانئ إلى المركز والولايات تعمل بالجازولين، وبخلاف أن الأمر سيؤدي لخفض الأسعار كذلك سيسهم في وفرة الجازولين والحد من تهريب البنزين المدعوم إلى خارج البلاد.
الشعب مازال يعول كثيراً على حكومة الفترة الانتقالية ويشكل لها السند الكبير في انتظار جني ثمار ثورته المجيدة، فينبغي على حكومة حمدوك أن لا تفسد هذه العلاقة الحميمية مع الشعب بقرارات عقيمة ظل ينتهجها النظام المباد في حلحلة مشكلات الاقتصاد.
لا بأس من إعادة النظر في دعم البنزين بعد إخضاع الأمر لمزيد من التشاور مع خبراء ومختصين، شريطة أن يوجه دعم البنزين للجازولين.
في تقديري حكومة التغيير حتى الآن لم تأتِ بجديد، تسير على ذات سياسات النظام المباد، وكأن عقول القائمين على أمر الاقتصاد أصابها العقم ولم تعد قادرة على إنتاج الأفكار والخطط والدراسات التي تضع الاقتصاد في المسار الصحيح، وحتى يحدث ذلك دعو الدعم وشأئه.