بدعة المسارات أو (تشتيت الكورة!)

* عادة ما يلجأ الفريق، الذي يحرز نصراً مفاجئاً أو صدفةً بهدف أو اثنين على غير ما توقع مدربه وفريقه الفني، إلى ما تعارف عليه جمهور الكرة في السودان بـ(تشتيت الكورة) لحرمان الفريق الآخر، الأكثر قوة ومهارة من التركيز والقيام بتمريرات ذكية ومتقنة تخترق دفاعته، وتصنع الأهداف التي تغير نتيجة المباراة وتنتهي به إلى الهزيمة.. لكن مثل هذا الفريق الذي يلجأ لحيلة كهذه، يسقط في نظر المشجعين المتابعين للمباراة من مدرجات الملعب أو من على شاشات التلفزيون، برغم خروجه منتصراً..فيعيبون عليه ضعفه مع افتقاره للروح الرياضية والنزاهة، ويلعنون (سنسفيل جدوده) لحرمانهم من متعة المشاهدة.
* جمهور السياسة السودانية، كحال جمهور المستديرة في المستطيل الأخضر المحروم من اللعب النظيف، الذي أوردنا نموذجه أعلاه، أصيب باكتئاب وقلق شديدين جراء اللجوء إلى (تشتيت كرة السلام) و اختراع (بدعة المسارات المتعددة) للتفاوض، بلا سبب مقنع غير الرغبة في المحاصصة، من قبل فريق متنطع لا له في العير ولا في النفير.
* فريق التحق بالحركات المسلحة داعماً و مؤيداً (بالتصفيق والمؤانسة السياسية) لا أكثر، ليصنع معها وبها ما يسمى بـ(الجبهة الثورية) وليجعل من هذه (الجبهة) أخيراً خميرة عكننة وعرقلة وتشتيت لأي جهد مخلص من أجل التقدم بالحراك الشعبي الشامل من حالة (الثورة) إلى حالة (الدولة)، في هذه المرحلة الانتقالية، بتعمد الرفض و الإمعان في إثارة نعرات الجهوية و(التهميش) ، بحجج واهية قديمة.. كانت مقبولة قبل التغيير، و لا تصح بعد ثورة جعلت قمة شعاراتها و أهدافها (حرية، سلام وعدالة) و هتفت بـ(يا عنصرى ومغرور كل البلد دارفور).
* سدروا في غيهم، بلعبة تشتيت الكرة هذه من عاصمة لأخرى، وعندما (حاصرتهم إرادة السلام) من الشعب و من الحكومة التي وضعتة في مقام (أولى الأولويات لجأوا لحيلة أو بدعة (المسارات) ، لتقديرات تخصهم هم وربما تخص مصالحهم السياسية أو الشخصية، بعد أن انسلخوا عملياً من التحالف الأعرض والأشمل (قوى الحرية والتغيير) و التحالف الأوسع (نداء السودان) الذي ضم عدداً من الأحزاب السودانية، كالأمة القومي والمؤتمر السوداني٠
* أصبحوا يغردون خارج كل الأسراب إلا سرب مصالحهم الذاتية، البعيدة آلاف الفراسخ عن (أصحاب المصلحة الحقيقية) المتضررين عملياً من الحرب.. من نازحين في المعسكرات ومشردين داخل وخارج الوطن فقدوا كل شيء، ينتظرون سلاماً يعيدهم إلى بيوتهم وأرضهم ويعوضهم - بعض العوض- عن الكثير الذي فقدوه جراء جرائم النظام الساقط، وتنطع حركات تقاتل باسمهم، و لا تحنو عليهم و لا هي قادرة على فرض سلام يخلصهم من غلواء وإجرام النظام المخلوع.
* و الآن، وبعد أن أهدتهم هذه الثورة (السلمية) المجيدة فرصة السلام طازجة على طبق من ذهب، أخذوا يجرجرون أرجلهم و يخترعون الحيل و الأعذار، متكاسلين عن القيام والنهوض إلى صف (صلاة السلام).. مرة برفضهم تغيير ولاة الولايات، ولا يمانعون في تركها بأيدي رجال النظام المخلوع ليفعلوا بها ما يشاؤون، برغم ضجيج الناس والمواكب، وتارة بتأجيل تشكيل المجلس التشريعي، و لا يهمهم إن تعطلت المهام المنوطة به - كبرلمان- في الرقابة و التشريع.. وكله من أجل محاصصة ومناصب يرجونها بعد إنجاز السلام، محتفظين في الوقت ذاته بكرت رفيقهم (عبد الواحد نور) وحركته (تحرير السودان) ربما ليوم كريهة آخر ينتظرونه.. فلم نراهم يوماً يدعونه او يحثونه على القيام للصلاة من أجل السلام.
* وعندما التأم شمل المفاوضات بجوبا، بإيعاز من (الراعي الرسمي) الرئيس سالفا كير، لم تعوزهم الحيلة فخرجوا علينا ببدعة (المسارات).. وهي - للإنصاف - براءة اختراع خاصة بهم لم يسبقهم إليها أحد.. و أبدع ما في هذه البدعة، أنها جعلت السودان كله (جميعه في حالة حرب).. و كأنها لم تكن حرباً بين السلطة المركزية في الخرطوم و(الوسط النيلي) المُهيمن على السلطة والثروة، كما كانوا يزعمون.. بل امتدت أريحيتهم لأن يجعلوا للوسط النيلي والخرطوم ممثلا منهم مفاوضاً ومتحدثاً باسمه، هو السياسي المُحترِف (السيد التوم هجو)!!
* كل ما سردنا وقائعه أعلاه، تلخصه وتعززه شهادة المتحدث الرسمي باسم الوساطة الجنوبية الأستاذ (ديو مطوك).. فكعادة إخوتنا الجنوبيين في الصراحة و التلقائية المحببة، فقد التقته جريدة «الإنتباهة» بمقر المفاوضات و أجرت معه حواراً نشر منذ يومين، وجه المحاور له سؤلاً، في بدايته.
يتهم حكومة الجنوب بأنها عمدت لتقسيم التفاوض لعدة مسارات؟
* مطوك لم يتلفّت للبحث عن إجابة للسؤال المفاجئ الذي يعلق الجرس في رقبة حكومته.. فكان رده السريع و المباشر هو: (التفاوض كان يجب أن يكون مع «الجبهة الثورية» لكنهم قسموا أنفسهم لمسارات مختلفة) و عندما لاحقه محرر الإنتباهة - عبد الرؤف طه- بسؤال رديف: ألم يكن أمام الوساطة خيار رفض تلك المسارات؟ كان جواب الأستاذ مطوك ببساطة شديدة : (لا نستطيع أن نجبرهم على التوحُد في مسار واحدٍ).. هذا ما حدث، وكفى بناطق الوساطة الرسمي شهيداً!!